رأس الهرم.. بين التخطيط والنتائج

 

 

 

 

صالح الغافري

التخطيط ليس مجرد أوراق أو جداول، بل هو عملية عقلية ومنهجية تهدف إلى استشراف المستقبل، وتحديد الأهداف، ورسم الوسائل والطرق المناسبة لتحقيقها في إطار زمني محدد. وهو العقل الذي يقود أي عمل نحو النجاح، ويُعد حجر الأساس الذي تُبنى عليه القرارات والسياسات.

جودة التخطيط هي العقل الذي يقود المؤسسة نحو المستقبل، والمخطط هو حجر الأساس الذي تُبنى عليه القرارات والسياسات. فإذا كان مؤهلًا ومتخصصًا انعكس ذلك على العاملين في وضوح الأهداف وعدالة توزيع المهام وبيئة عمل مستقرة تدفعهم نحو الإبداع، أما إذا كان ضعيف الكفاءة فإن أثره السلبي يظهر سريعًا في ارتباك وضياع للجهود وتراجع في الأداء. وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم جوهر المسؤولية بقوله: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، فالتخطيط جزء من هذه المسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع.

الرضا الوظيفي هو المقياس الحقيقي لنجاح أي مخطط، فإذا شعر الأفراد بالإنصاف ووجدوا بيئة تدعمهم، فإن ذلك يعكس نجاح التخطيط، أما إذا غاب الرضا فذلك مؤشر على خلل يستوجب المراجعة. ولأن التخطيط له عمر افتراضي، فإن أي منظومة تحتاج إلى تجديد خططها بشكل دوري لضمان مواكبة الاستراتيجيات الحديثة في مسار التطور المستمر.

غير أن بعض المخططين يتذرعون بأعذار واهية كلما واجهوا تحديات، فيلقون باللوم على قلة الموارد وكأنهم عاجزون عن الإبداع، وهذا هو المخطط السيئ الذي يفتقر إلى روح المبادرة رغم علمه بالاستراتيجيات الحديثة للنهضة، ومع ذلك لا يوظفها عمليًا. وتتصاحب ذلك قرارات لا تراعي مختلف فئات المجتمع، فتنعكس سلبًا على الأداء، ويكون السبب المباشر هو ضعف المخطط. وعندما يختل العطاء أو يتراجع، فإن أول ما ينبغي النظر إليه هو القائمون على التخطيط، لأن جودة التخطيط هي المرآة التي تعكس القوة أو الضعف. وهنا نستذكر قول الإمام علي رضي الله عنه: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، فالمخطط لا يُقاس بمنصبه، بل بما يحسنه من عمل وإبداع.

ومن أراد أن يُقيّم نجاح أي منظومة فعليه أن ينظر إلى أثرها على المجتمع ومدى رضا العاملين فيها، فإذا كان الأثر إيجابيًا فهذا دليل على تخطيط سليم، أما إذا كان ضعيفًا فحينها يدرك الجميع أن المخطط يحتاج إلى تغيير. وفي هذا السياق، أكّد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في الخطاب السامي بمجلس عُمان، أن الدولة لن تتوانى عن بذل كل ما هو متاح لتحقيق أهداف وتطلعات رؤية "عُمان 2040"، وهي عبارة سامية تختصر جوهر التخطيط السليم الذي يقود نحو النجاح ويمنح المجتمع الثقة في المستقبل.

ولكن يحدث الخلل الأكبر والمأزق الحقيقي عندما يُسند التخطيط إلى من لا يملك الكفاءة، فتتحول القرارات إلى عشوائية وتظهر المشاكل الجسام ويغيب الرضا. بينما وجود المتخصص وذو الاختصاص في التخطيط هو الضمانة الحقيقية للنجاح، لأنه يضع الخطط على أسس علمية، يوازن بين الموارد والاحتياجات، ويخلق بيئة صحية تدفع الجميع نحو الولاء والإبداع.

إن التخطيط والتطوير الاستراتيجي هو جوهر النجاح وضمانة الاستمرار، وجودة التخطيط هي الفارق بين النهضة والسقوط. فمن أراد النجاح، فليبدأ بخطة محكمة.

الأكثر قراءة

z