مأزق الحرب وحدود القوة.. والبحث عن "حصان طروادة"

 

 

عيسى الغساني

بعد 5 أسابيع من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبدو ملامح الحرب وكأنها تدخل مرحلة الجمود الاستراتيجي؛ ففي مثل هذه المراحل من الصراعات المسلحة، عندما يتعذر تحقيق اختراق حاسم في ميدان المعركة، تميلُ بعض الأطراف إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل أهدافًا غير تقليدية، قد تصل أحيانًا إلى البنية التحتية المدنية ومقومات الحياة الأساسية. وهو تطور لا يعكس بالضرورة تقدمًا عسكريًا بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي.

في هذا السياق، يبدو أن البحث عن مخرج سياسي أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن إدارة العمليات العسكرية. فالحروب التي تصل إلى حالة الجمود غالبًا ما تحتاج إلى قرارات جريئة وعقلانية في آن واحد؛ قرارات يتحمل فيها القادة الشجاعة الأدبية للاعتراف بأن إنهاء الحرب قد يكون الخيار الأكثر حكمة. وهنا يبرز ما يمكن تسميته مجازًا بـ "حصان طروادة" السياسي، أي مبادرة أو خطوة غير تقليدية تفتح باب الخروج من الحرب دون أن يظهر أي طرف بمظهر المهزوم بشكل صريح.

من الناحية النظرية، لا تُفهم الحرب في الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي بوصفها غاية في ذاتها، بل باعتبارها أداة لتحقيق أهداف سياسية. وقد عبّر عن هذا المبدأ بوضوح المفكر العسكري البروسي Carl von Clausewitz عندما اعتبر الحرب امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى. وفي السياق ذاته، يشير المفكر العسكري الصيني Sun Tzu إلى أن أعلى درجات النصر هي تلك التي تتحقق بأقل قدر ممكن من التدمير.

وعلى ضوء هذه الرؤية، فإن التدمير الواسع للبنية التحتية -من الجسور والمصانع إلى شبكات الكهرباء والمياه- لا يحقق بالضرورة هدفًا سياسيًا مستدامًا؛ بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال خلق فراغ أمني وفوضى طويلة الأمد، وهو ما قد يجعل حتى الطرف المنتصر عرضة لتحمل أعباء سياسية واقتصادية وأمنية تمتد لسنوات.

ولهذا فإن القرار العسكري الرشيد لا ينبغي أن يكون مجرد رد فعل غريزي قائم على استعراض القوة؛ بل يجب أن يقوم على رؤية استراتيجية تسعى إلى صياغة واقع سياسي يمكن التعايش معه؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تحول دون انزلاق الحرب إلى كارثة إنسانية وحضارية، وتحافظ في الوقت ذاته على كونها أداة سياسية لا وسيلة تدمير مفتوحة بلا أفق.

 

وفي عالم اليوم النصر لا يُقاس بحجم الدمار أو باتساع السيطرة العسكرية، بل بالقدرة على بناء نظام سياسي واقتصادي يضمن الاستقرار ويمنع عودة الصراع؛ فالنصر الحقيقي في نهاية المطاف هو ذلك الذي يفتح باب الاستقرار، لا الذي يترك وراءه فراغًا دائمًا للصراعات.

أما الانزلاق نحو استهداف الأهداف المدنية غير المشروعة؛ فهو مؤشر خطير على فقدان البوصلة الأخلاقية والاستراتيجية معًا. فمثل هذه الممارسات لا تهدم فقط القيم الإنسانية، بل تهدد أيضًا أسس التعايش بين البشر، وتدفع العالم خطوة أخرى نحو العودة إلى منطق القوة العارية وشريعة الغاب.

وفي هذا الإطار، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس من سينتصر في ساحة المعركة؛ بل من سيملك الشجاعة السياسية لابتكار ذلك "الحصان" الذي يفتح باب الخروج من الحرب، ويعيد توجيه الصراع نحو تسوية أكثر استقرارًا وإنسانية.

الأكثر قراءة

z