عيسى الغساني
في ظل حالة الحروب والصراعات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، وكثابت تاريخي لسلطنة عُمان يأتي مبدأ الحياد الإيجابي ليس كطرح نظري؛ بل كحالة تمارس واقعاً منذ تأسيس عُمان الحديثة 1970 تحت قيادة الأب المؤسس السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه، ويتعزز هذا الدور تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- أعزه الله وأبقاه.
هذا النوع من الحياد يتجاوز مجرد الامتناع عن المشاركة العسكرية، ليشمل دورًا فاعلًا في حماية المدنيين، دعم الاستقرار الإقليمي، والامتثال للقوانين الدولية. ويتوافق هذا النهج مع ما نصت عليه اتفاقية لاهاي لعام 1907 بشأن الحياد، التي تعد المرجع الأساسي لتحديد حقوق وواجبات الدول المُحايدة أثناء النزاعات المسلحة الدولية.
وفق اتفاقية لاهاي، يُلزم القانون الدول المحايدة بعدم تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي لأي طرف متحارب، وضمان عدم استخدام أراضيها أو مواردها كقاعدة عسكرية أو ممر للنزاع. في المقابل، تمنح الاتفاقية الدولة المحايدة حق الحياد الإيجابي، الذي يتيح لها اتخاذ خطوات عملية لحماية المدنيين وحقوق الإنسان، بما في ذلك السماح بمرور المساعدات الإنسانية، توفير الخدمات الطبية، وحماية الممتلكات المدنية.
تتجسَّد جهود سلطنة عُمان في هذا الإطار من خلال الوساطة بين الأطراف المتحاربة وفتح قنوات دبلوماسية تهدف إلى خفض التصعيد وتسهيل التوصل إلى حلول سلمية. هذا الدور يتوافق مع نصوص القانون الدولي العام، ويؤكد على أن الحياد لا يعني الجمود أو الانعزال، بل يشمل المبادرة الإيجابية للتأثير على مسار الأحداث بما يحقق حماية الانسان وتحقيق السلام.
من جهة أخرى، تعمل عُمان على تعزيز ثقافة احترام القانون الدولي الإنساني بين الأطراف المتحاربة، داعيةً إلى الامتناع عن استهداف المدنيين والبنى التحتية الحيوية، والالتزام بحماية الجرحى والأسرى، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. كما تشدد على ضرورة الالتزام بالقوانين والمعاهدات الدولية، بما يضمن احترام الدولة المحايدة لدورها القانوني وحماية أراضيها من أي استغلال عسكري.
وهذا الدور يحقق التوازن بين الحياد القانوني والسياسي من جهة، والدور الإنساني والأخلاقي من جهة أخرى. اذ يقتضي إعمال الحياد الإيجابي بتطبيق مبادئ اتفاقية لاهاي 1907 وهذا لا يقتصر على الامتناع عن الحرب، بل يشمل المبادرة العملية لحماية حقوق الإنسان وتأمين السلام الإقليمي.
وفي الحرب الدائرة بين الأطراف المتحاربة إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تقوم عُمان بدورها الإنساني والأخلاقي عبر إعمال ثوابت الحيادة الإيجابي نحو الوصول إلى إنهاء حالة الحرب والعودة الي حالة السلم والأمن الدوليين.
