السببية والحتمية

 

 

عيسى الغساني

الأحداث في الحياة سواء فردية أو جماعية أو نتاج أفكار أو صراعات أو توافقات ليست بالضرورة منتج اللحظة بل أتت بمقتضي إرهاصات متعددة تبدو متباعدة لكنها مترابطة حيث إن فكرة «الاتصال والانفصام في حركة التاريخ» تفترض أن الأحداث التاريخية ليست متناثرة أو عشوائية، بل تحمل بينها شبكة من العلاقات السببية والحتمية، حتى لو ظهرت أحيانًا كـ«انفصال» أو كصراعات غير متوقعة في سطح الحدث. وهذا ما تبنى عليه فرضية أن الحدث لا يأتي من فراغ، بل هو منتج لحدث أو أحداث سابقة، وأن فهم هذه السببية هو شرط لقراءة النتائج المستقبلية، وليس مجرد التسليم بالجواز أو التخيّل.

والاتصال في منظور تاريخي يفهم أن التاريخ تيارًا واحدًا من الأفعال والمواقف والأفكار، لا مجرد سلسلة أحداث مفصولة؛ كل حلقة تمهّد للاحقة، واللاحق يُفهم على ضوء السابق.  

ومن ناحية أخرى يكون «الانفصال» أو «الانفصام» ليس نفيًا للاتصال، بل يشير إلى اختلالات، أو قفزات، أو كوارث/ثورات تغيّر ديناميكية في مسار التاريخ، لكنها تبقى في داخل النسق السببي ذاته، لا خارجه. بمعنى أن الانفصال لا يعني عودة إلى البداية، بل يترجم عادةً عن تراكم تناقضات سابقة (اجتماعية، اقتصادية، ثقافية) تظهر فجأة في صورة انقلاب أو حرب أو انهيار.

وعلى جانب آخر تظهر السببية والحتمية مقابل الجواز- وما يقال عن «السببية والحتمية» ينسجم مع نماذج تاريخية ترى أنَّ الحدث المشاهد هو محصلة لعوامل موضوعية (ظروف اقتصادية، بنيان اجتماعي، قوى مهيمنة، صراعات هيمنة…) وليس مجرد اختيار فردي أو «مجرد جواز او احتمال».

في النماذج الحتمية التاريخية (نموذج الصراع أو الحضرية عند ابن خلدون) لا يُفهم الحدث إلا في سياق بنية أعم: طريقة الإنتاج، بنية السلطة، التناقضات الهيكلية، حتى إذا بدا القرار السياسي وكأنه «اختيار» حر.

والحتمية كخيار حدث مستقبلي ترى ما تشكل بمرور الزمن في نظام البنى الاجتماعية والسياسية (البني الاقتصادية، البني الاجتماعية، خطاب الهوية والمواطنة). ويمكن أن تعتبر المقدمات المتراكمة والأزمات والانفصالات التي لم تعالج كمؤشر على عدم التوازن وإذ تشكلت ظاهرة انفصالية، يقتضي الحال معالجتها لإعادة التوازن للنظام؛ فالحرب انفصال يكسر التوازن

وهنا لا بُد من الوقوف على أحداث الانفصال كمؤشر على عدم التوزان ويمكن أن يقرأ أي حدث أو ظاهرة انفصالية كمؤشر خطر ولا بُد من مُعالجتها لإعادة التوازن للنظام؛ فالحرب انفصال يكسر التوازن على مستوى النظام الإقليمي والدولي، وكلما عولجت مبكراً أمكن استعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي للدول.

وخلاصة القول.. إذا كان الانفصال نتيجة تراكم أزمات دون تسوية جذرية، فاحتمال العودة إلى النزاع أو التوتر يكون أعلى، وإذا كان الانفصال قد صاحبه إعادة بناء البنية (عدالة انتقالية، إصلاح سياسي حقيقي)، فقد يُقرأ الانفصال حينئذ كـ«نقطة انتقال» في خط الاتصال لا كنهاية له.

الأكثر قراءة

z