علي بن بدر البوسعيدي
من خلال ما نرصده في تعاملاتنا اليومية، نكتشف أنه رغم كل الجهود الصادقة التي تبذلها حكومتنا الرشيدة في الارتقاء بالخدمات العامة، من تعليم وصحة وإسكان وتجارة وغيرها، إلّا أن كثيرًا من المواطنين يرون أن عددًا ليس بالقليل من الخدمات المقدمة ما زالت تعاني من عبء الإجراءات الروتينية الطويلة، والبيروقراطية المُملة، التي في حقيقتها تمثل نقطة سلبية كبيرة في بيئة الأعمال.
نقرأ في الصحف يوميًا تقريبًا عن الخدمات الرقمية المقدمة من الجهات الحكومية المختلفة، لكن في المقابل نجد قصورًا شديدًا في عدد من الخدمات التي ما تزال تُقدَّم بطريقة تقليدية، فلا تجد الخدمة تحولت إلى الطريقة الرقمية، ولا تجد بريدًا إلكترونيًا يمكنك التواصل من خلاله لمعرفة تطورات معاملتك، حتى الموظف الحكومي نفسه لا يتعامل مع الخدمة بجدية تكفي لإنجازها دون تعطيل أو تأخير أو إطالة أمدها. لذا يجد الكثيرون أنفسهم في حالة ترقب وانتظار طويل، ربما تدفعه إلى اليأس والإحباط والتراجع عن المشروع أو القرار الذي كان ينوي اتخاذه مع إنجاز معاملته.
الحقيقة الماثلة أمامنا جميعًا أن وطننا الحبيب عُمان بلد مُترامي الأطراف، ومساحته شاسعة ولله الحمد، ولذلك يجد كثيرٌ من المواطنين أنفسهم أمام تحدٍ كبير وهائل في إنجاز المعاملات الورقية، خاصة إذا ما كانوا من سكان الولايات البعيدة عن العاصمة مسقط، فلماذا يُجبر مواطن من ظفار أو مسندم أو حتى من الشرقية، على تكبد مشقة الذهاب إلى مسقط لتخليص ورقة حكومية، كان بالإمكان استخراجها من نفس الجهة في محافظته؟! لماذا لا تتحقق المعاملات الرقمية بالكامل في كل محافظات وولايات سلطنتنا الحبيبة.
وهنا دعوني أضرب لكم مثالًا تابعته بنفسي.. أحد المواطنين سعى لتخليص معاملته التابعة لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني، في محافظة مسقط، بينما هو من ولاية مصيرة، فاضُطر إلى الذهاب إلى مسقط قبل الفجر لكي يصل في الموعد المناسب بالوزارة، ولكي لا ينتظر في طوابير طويلة. السؤال هنا: ما الذي يحول دون تبسيط الإجراءات وتعزيز اللامركزية ورقمنة الخدمات جميعها؟ الحمدىلله لدينا الإمكانيات المالية والبشرية والتقنية، كما أن الخطط الوطنية في هذا الجانب تمضي بشكل جيد، ومع ذلك ما زال المواطن يُعاني من أجل تخليص معاملة هنا أو هناك.
بينما في المقابل، نجد جهات أخرى تتفوق في أنظمتها الرقمية بصورة مُذهلة وتتجاوز أكثر دول العالم تقدمًا، ومنها أذكر المجلس الأعلى للقضاء، الذي ينفذ استراتيجية طموحة لرقمنة جميع الخدمات والإجراءات، حتى المحاكمات نفسها، باتت تعتمد على التقنيات الرقمية بصورة تدعو للفخر. فيكفي إذا أردت إنجاز "وكالة" أن تطلبها رقميًا وتستخرجها فورًا، دون شرط الحضور إلى الكاتب بالعدل، وهذا إنجاز رائع وجدير أن نُشيد به.
وأخيرًا.. إننا في ظل ما تموج به المنطقة من أحداث وتطورات وصراعات، يتعين علينا بذل المزيد من الجهود من أجل تحسين بيئة الأعمال، ليس فقط من أجل المواطن، وهو بلا شك يستحق أفضل الخدمات، وإنما كذلك بهدف جذب المستثمرين الأجانب وتقديم أسرع الخدمات وإنجاز معاملاتهم وفق أعلى معايير الجودة، لا سيما وأن الجميع ينظر إلى عُمان اليوم على أنها الملاذ الوحيد الآمن في منطقة تعصف بها نيران الحرب.
