علي بن بدر البوسعيدي
في طريقي إلى حضور فعالية دولية في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، سلكتُ طريق غلا تفاديًا للزحام المروري الشائع في شارع السلطان قابوس وحتى في طريق مسقط السريع، لكن صدمني المشهد الممتد على جانبي الطريق في شارع غلا، من حيث تكدس الشاحنات العملاقة والمعدات والآليات الثقيلة، في مشهد غير حضاري في قلب منطقة آخذة في الازدهار،
وتبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا لإعادة النظر في واقع منطقة غلا الصناعية، التي آن الأوان لأن تنتقل من صورتها التقليدية الحالية إلى نموذج حضري أكثر حداثة وملاءمة لموقعها الاستراتيجي في قلب العاصمة.
فمنطقة غلا لم تعد منطقة طرفية أو بعيدة عن مركز الحركة العمرانية كما كانت قبل عقود، وأصبحت اليوم تتوسط شريانًا اقتصاديًا واستثماريًا نشطًا، خاصة مع قربها من مدينة العرفان التي تمثل أحد أهم المشاريع الحضرية والتنموية الواعدة. ولا يزال المشهد في غلا محكومًا بطابع صناعي مزدحم بالورش والمعدات الثقيلة والقاطرات والمقطورات، في صورة لا تنسجم مع الطموحات العمرانية الجديدة لمسقط ولا مع مكانتها كعاصمة تتطلع إلى تعزيز جودة الحياة والهوية الحضارية.
والحقيقة أن استمرار الوضع الحالي في غلا، لا يؤثر فقط على المشهد البصري للعاصمة، وإنما يمتد تأثيره إلى الجوانب المرورية والبيئية والاجتماعية؛ فالطريق الحيوي الذي يشق المنطقة ويوازي في أهميته شارع السلطان قابوس، يشهد يوميًا حركة كثيفة للشاحنات والمعدات الثقيلة، رغم أنه يمر عبر نطاقات حضرية وسكنية متنامية، وصولًا إلى مرتفعات المطار ومنطقة معسكر المرتفعة. وهذا الواقع يفرض تحديات تتعلق بالسلامة المرورية والانسيابية وجودة البيئة الحضرية.
وفي ظل المشروع الوطني الطموح "مسقط الكبرى"، تبدو إعادة تخطيط غلا ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار تجميلي؛ فالمناطق التي تقع في قلب المدن الكبرى يجب أن تُستثمَر على نحوٍ يُحقِّق أعلى قيمة عمرانية واقتصادية واجتماعية. وتحويل غلا تدريجيًا إلى منطقة سكنية تجارية وإدارية متكاملة، من شأنه أن يفتح آفاقًا واسعة للتنمية العقارية والاستثمارية، ويخلق بيئة حضرية أكثر حيوية وانسجامًا مع التحولات التي تشهدها العاصمة.
وعندما قرأت في مسألة التخطيط العمراني الحديث، وجدتُ أنه لا يقتصر على إعادة توزيع المباني والأنشطة، لكنه أيضًا يرتبط ببناء مجتمعات متكاملة توفر السكن والخدمات وفرص العمل والمساحات التجارية والترفيهية ضمن بيئة حضارية متطورة. ومن هنا، فإن إعادة تطوير غلا يمكن أن تجعلها واحدة من أكثر مناطق محافظة مسقط ثراءً وازدهارًا، خصوصًا مع موقعها الاستثنائي وقربها من المطار والشبكات الرئيسية للطرق.
إنني لأهمس في آذان المسؤولين عن التخطيط الحضري والعمراني لاتخاذ قرار جريء وصحيح في الوقت نفسه، لكي نُضفي على غلا مكانتها المُستحقة كواجهة حضرية حديثة تليق بمسقط ومستقبلها التنموي الطموح.
