عُمان في قلب "معادلة هرمز"

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

شهدت منطقة الخليج اليوم تصاعدًا غير مسبوق في حدة التوترات، تجاوز سريعًا حدود الاحتواء، لينزلق المشهد إلى حالة متقدمة من عدم الاستقرار عند مضيق هرمز، أحد أهم مفاصل التجارة العالمية. ولم يبقَ هذا التحول محصورًا إقليميًا، بل امتد ليضرب عمق الاقتصاد العالمي، مُحدثًا صدمة هيكلية في سلاسل التوريد وأسواق الطاقة، ومُربكًا حركة التجارة الدولية على نطاق واسع.

ونتيجة لذلك، انخفضت حركة الملاحة البحرية عبر المضيق بنسبة تجاوزت 95%، ما أدى إلى تعطّل جداول الشحن العالمية وتكدس السفن، ووصول بعضها إلى حالة من الجمود نتيجة التوقف المفاجئ. ومع هذا الانكماش الحاد، ارتفعت تكاليف الشحن وأقساط التأمين بشكل غير مسبوق، بالتوازي مع تأخيرات ممتدة، الأمر الذي انعكس مباشرة على ارتفاع معدلات التضخم عالميًا وتباطؤ الإنتاج في قطاعات حيوية.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع التهديد المباشر لإمدادات النفط، حيث يلوح في الأفق احتمال فقدان ما يصل إلى 14 مليون برميل يوميًا، مما قد يدفع الأسعار لتجاوز حاجز 120 دولارًا للبرميل، في ظل محدودية البدائل وصعوبة تعويض هذا النقص سريعًا. وهكذا، تجد التجارة العالمية وأمن الطاقة نفسيهما تحت ضغط مركب يجمع بين الاختناق اللوجستي وارتفاع التكاليف وتقلبات الأسواق.

وسط هذا المشهد المضطرب، تبرز عُمان كفرصة استراتيجية نادرة. فموقعها الجغرافي خارج مضيق هرمز لم يعد مجرد ميزة نسبية، بل تحوّل إلى عنصر حاسم في معادلة الأمن اللوجستي العالمي. موانئ صحار والدقم وصلالة، إلى جانب المناطق الحرة والبنية اللوجستية المتنامية، وصولًا إلى محطة تخزين النفط برأس مركز التي تمثل ركيزة استراتيجية لأمن الطاقة خارج المضيق، تضع سلطنة عُمان في موقع يؤهلها لاستقبال جزء معتبر من التدفقات التجارية الباحثة عن مسارات آمنة ومستقرة.

تُظهر هذه المنظومة، عند النظر إليها كوحدة متكاملة، أن عُمان لا تبدأ من الصفر، بل ترتكز على قاعدة صلبة قابلة للتفعيل السريع. غير أن المرحلة الراهنة لا تحتمل الاكتفاء بالاستفادة التدريجية، بل تتطلب قرارات حاسمة تُعيد تموضع السلطنة كنقطة عبور محورية ومركز توزيع إقليمي فاعل، يوفّر لسلاسل التوريد العالمية مسارًا موثوقًا يحدّ من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.

هذه التحولات لن تتحقق بقرارات حكومية فقط، بل تحتاج إلى ذراع تنفيذية يقودها القطاع الخاص. ومن هنا، يبرز دور القطاع الخاص كعامل حاسم، حيث يتحمل التجار وغرفة تجارة وصناعة عُمان مسؤولية الانتقال من موقع المتابعة إلى موقع المبادرة، عبر قيادة التحرك الاقتصادي واستثمار هذه اللحظة الاستثنائية. فالغرفة، بما تمتلكه من شبكة علاقات محلية ودولية، قادرة على لعب دور الوسيط الفعّال في استقطاب الشركات العالمية المتأثرة بتعطل سلاسل الإمداد، والترويج للسلطنة كوجهة لوجستية آمنة ومستقرة خارج نطاق المخاطر الجيوسياسية.

كما يمكن للتجار العُمانيين التحرك بمرونة أكبر لعقد شراكات استراتيجية مع الموردين الدوليين، وإعادة توجيه مسارات السلع عبر الموانئ العُمانية، مستفيدين من البنية التحتية والمناطق الحرة. وهنا تبرز أهمية تبني نماذج أعمال أكثر تكاملًا، لا تقتصر على الاستيراد وإعادة التصدير، بل تمتد لتشمل التخزين الذكي، وإعادة التعبئة، والتصنيع الخفيف، وإدارة سلاسل الإمداد، بما يعزز القيمة المضافة داخل السلطنة.

في جوهر الأمر، تكشف هذه الأزمة أن المرونة ليست إجراءً يُتخذ عند الحاجة، بل فلسفة تُبنى مسبقًا. وعُمان، إلى حد كبير، نجحت بالفعل في ترسيخ جزء مهم من هذه الفلسفة عبر موانئها ومناطقها الحرة وبنيتها اللوجستية. ما ينقص اليوم هو تسريع الإيقاع وربط هذه العناصر ضمن رؤية تنفيذية أكثر جرأة.

العالم يتغير، والشركات الكبرى لم تعد ترى في الاعتماد على مسار واحد خيارًا آمنًا. ومع استمرار الاضطرابات، قد نشهد إعادة تموضع حقيقية للمراكز اللوجستية في المنطقة، ما يضع عُمان في موقع متقدم إذا ما أحسنت استثمار هذه اللحظة بوعي وسرعة.

إنَّ ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل نقطة تحول. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس الفرص بحجم الإمكانات فقط، بل بقدرة الدول على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. الحقيقة القاسية أن الفرص لا تبقى طويلًا؛ فهي نافذة زمنية قد تُغلق بمجرد استقرار البدائل في أماكن أخرى. وعندها، لن يكون السؤال كم كانت عُمان مؤهلة… بل لماذا لم تتحرك في الوقت المناسب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z