الهوية العُمانية.. من عمق التاريخ إلى سمو المقام

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

عُمان ليست دولة تُعرف بحدودها فقط؛ بل بجذورها الضاربة في عمق التاريخ وبما تتركه في نفوس من يمرّ بها، ومن هذا الحضور يبدأ الإدراك؛ فالزائر يدرك سريعًا أنّه أمام مجتمع يختزن الهدوء ويشعّ التوازن ويثقل معناه العمق.

هنا الهُويّة لا تُفرض؛ بل تُرى في الناس، في حديثهم وفي تفاصيلهم اليومية. لذلك لم يكن تميّز عُمان ادّعاءً؛ بل شهادة تتكرّر على لسان من عرفها عن قرب.

وتوالت الأجيال لتحفظ هذا المعنى حتى جاء عهد المؤسس للنهضة، السلطان قابوس بن سعيد- رحمه الله- الذي صاغ الهُويّة قبل الخرائط وجعل الإنسان محور النهضة قبل العمران وثبّت الملامح قبل توسيع الطرق. وأرسى السلطان قابوس قواعد الدولة الحديثة بحكمة ووازن بين أطياف المجتمع وعالج الإشكالات بذكاء فثبّت التلاحم وصان اللحمة الوطنية وعزّز الاستقرار الاجتماعي. وفي الوقت ذاته بذل جهدًا استثنائيًا في السياسة الخارجية وجعل نهجه واضحًا: لا نتدخل في شؤون الغير ولا نقبل أن يُتدخل في شؤوننا.

ومن هذا المنطلق أصبحت الهُويّة الأصيلة حاضرة في واجهة سياستنا الخارجية حيثما توجّهنا في ربوع المعمورة.

نهضة تتجدد.. وهويّة لا تتبدّل

وامتدادًا لهذا المنهج سار على النهج حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- وفّقه الله- بذات الحكمة وبرؤية متجددة محافظًا على الثوابت الوطنية في الداخل والخارج.

فلم يكن مستغربًا أن يظل الصوت العُماني واضحًا رافضًا الانحياز للباطل أو الانزلاق في سياسات عدائية خارج إطار الشرعية الدولية ومؤكدًا حضورًا متوازنًا ينبع من هويّة راسخة ومبادئ ثابتة.

وفي الجانب التوعوي والديني ظلّ صوت الاعتدال حاضرًا يوجّه المسار ويُثبّت الاتزان حارسًا للثوابت ومرسّخًا النهج. وكان لسماحة مفتي عام السلطنة، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي- بارك الله في عمره- دور بارز في تعزيز الوعي الديني وترسيخ الفهم المتوازن.

وتشكّلت صورة الإنسان العُماني عبر امتداد لا يقوم على المظهر وحده؛ بل على منظومة متكاملة يتداخل فيها السلوك مع الشكل والوعي مع الموروث.

هذا التراكم لم يُنتج ملامح باهتة؛ بل رسّخ صورة واضحة مستقرة في الوعي محفوفة بالولاء والانتماء ومشدودة إلى قيم لا تتبدّل؛ فالهُويّة ليست مستعارة؛ بل امتداد زمني متراكم؛ تاريخ حيّ وصورة بُنيت بعناية واستقرّت في الوعي الجمعي عبر الزمن.

ولم يكن اعتماد "بن" في الأسماء تفصيلًا هامشيًا؛ بل امتدادًا لجذور عربية راسخة يربط الإنسان بأصله ويشدّه إلى تاريخه. ولا زينة لفظية تُستبدل فمظاهر الهوية الحقيقية تتجذّر في كل تفاصيل الإنسان وسلوكه.

وعبر قرون من الحضور ظلّ الإنسان العُماني يحمل هويّته أينما ذهب؛ لا يذوب ولا يتنكّر؛ بل يتفاعل ويظل ثابتًا على مبادئه.

ما يحدث اليوم.. لا يأتي جاهرًا؛ بل يتسلّل بصمت. يبدأ من تفصيل صغير: استبدال الزّي بلا حاجة ثم يمتد إلى اللهجة فتُستعار نبرة ليست لنا ثم يتجاوز ذلك إلى الفضاء العام.

ومع وسائل التواصل ظهرت أنماط جديدة. إننا نرحّب بالإبداع لكن دون أن يُنسى أسلوب الهُويّة وأدبها وذوقها الأصيل، فغياب هذا التوازن لا يمرّ هينًا؛ بل يُضعف الصورة ويشوّه المعنى.

وهنا نؤكد أن غياب التوازن يشوّه الصورة ويُضعف المجتمع؛ فالهُويّة منظومةٌ متكاملة تبدأ بالاسم، وتمتدّ إلى المظهر، وتُصان باللغة؛ فإذا اختلّ جزءٌ منها اضطرب الباقي، وتسلّل الخلل إلى المعنى قبل الصورة.

وهناك فارق بين الانفتاح والذوبان؛ الأول وعيٌ منضبط وثقةٌ ثابتة، والثاني فقدانٌ يعقبه ضياع. وهذه مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع. ولنكن على قدرٍ كافٍ من الوعي؛ فليست كلّ الخسائر تُرى وأخطرها ما يُسلب من الداخل دون أن نشعر حتى نجد أنفسنا بلا ملامح تُشبهنا.

وأخيرًا.. من يبدأ باستعارة ملامحه من غيره وتغيير نبرة صوته والتفريط في رموزه الصغيرة لا يُجدّد؛ بل يتخلّى؛ فالهُويّة أصل لا تُساوَم ولا تُقايض، والولاء والانتماء وعي حيّ يحمي الحاضر ويصنع المستقبل.

ومن يفرّط في حاضره فلا مستقبل له ولا هويّة تُنقذ ولا أُمّة تبقى.. ألا فاليقظة واجبة!

الأكثر قراءة

z