عباس الزدجالي
في الحروب، كما في السياسة، قد تنجح الأكاذيب لبعض الوقت، لكنها نادرًا ما تعيش طويلًا أمام الحقائق. هذه القاعدة القديمة بدأت تتجسد بوضوح مع الجدل المتصاعد داخل الولايات المتحدة بعد التحقيقات الاستقصائية التي نشرتها صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" حول قصف مدرسة ابتدائية في إيران خلال الضربات الأمريكية الأولى في الحرب التي أطلقتها إدارة دونالد ترامب ضد إيران.
في الأيام الأولى بعد الحادثة، كان الموقف الرسمي الأمريكي واضحًا وحاسمًا. فقد أعلن البيت الأبيض ووزارة الحرب (البنتاجون) أن القوات الأمريكية لم تستهدف أي منشأة مدنية، وأن ما نشرته إيران حول قصف مدرسة ما هو إلا جزء من “الدعاية الحربية” التي ترافق عادة مثل هذه الصراعات. وبدا أن الإدارة الأمريكية تراهن على أن الرواية الرسمية ستصمد، وأن الضجيج الإعلامي سيتلاشى مع مرور الوقت.
لكن ما لم تتوقعه الإدارة الأمريكية هو أن الصحافة الاستقصائية، التي طالما لعبت دورًا مركزيًا في كشف خفايا القرارات السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة، لن تترك القضية تمر بسهولة. فخلال أيام قليلة فقط بدأت التحقيقات التي نشرتها واشنطن بوست ونيويورك تايمز تكشف تفاصيل مقلقة حول الضربة التي استهدفت مدرسة إيرانية تحمل اسمًا ذا دلالة رمزية لافتة: مدرسة “الشجرة الطيبة”.
تشير الوثائق والتسريبات التي اعتمدت عليها التحقيقات إلى أن مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية في جنوب إيران لم تكن مجرد ضحية عرضية لخطأ عسكري كما حاولت الإدارة الأمريكية تصوير الأمر. بل إن الموقع كان مدرجًا بالفعل ضمن بنك الأهداف الذي أعدته القوات الأمريكية للضربة الافتتاحية للحرب.
وبحسب المصادر التي تحدثت للصحيفتين، فقد جرى إعداد قائمة الأهداف بسرعة كبيرة، اعتمادًا على تحليل صور الأقمار الصناعية وملفات استخباراتية بعضها يعود إلى سنوات سابقة، حين كانت المنشأة التي تضم المدرسة تستخدم لأغراض عسكرية قبل أن تتحول لاحقًا إلى منشأة تعليمية مدنية. المشكلة أن بعض المحللين العسكريين داخل المؤسسة الدفاعية الأمريكية كانوا قد حذروا مسبقًا من أن البيانات المستخدمة قديمة وغير محدثة، وأن الاعتماد عليها قد يؤدي إلى استهداف مواقع لم تعد ذات طبيعة عسكرية.
لكن في أجواء الحروب؛ حيث تتسارع القرارات وتزداد الضغوط السياسية والعسكرية، غالبًا ما تُتخذ القرارات بسرعة قد لا تسمح بالتدقيق الكامل. وهكذا، ووفقًا لما كشفته التحقيقات الصحفية، تحولت مدرسة “الشجرة الطيبة” إلى هدف مدرج في بنك الأهداف، رغم أن طبيعتها المدنية كانت معروفة لدى بعض الجهات التحليلية داخل النظام العسكري الأمريكي.
هذا التناقض بين الرواية الرسمية والوقائع التي كشفتها التحقيقات الصحفية وضع إدارة الرئيس دونالد ترامب في موقف حرج للغاية. فبينما أكد ترامب منذ اللحظة الأولى أن القوات الأمريكية لم تستهدف أي منشأة مدنية، تشير الوثائق التي ظهرت لاحقًا إلى أن موقع مدرسة “الشجرة الطيبة” كان بالفعل ضمن قائمة الأهداف التي جرى إعدادها قبل الضربة.
وهنا عاد النقاش القديم داخل الإعلام الأمريكي حول مصداقية تصريحات الرئيس ترامب. فقد دأبت بعض الصحف والمعلقين في الولايات المتحدة منذ سنوات على وصف ترامب بأنه “كذاب باثولوجي”، في إشارة إلى نمط متكرر من التصريحات التي تتغير أو تتناقض مع الحقائق التي تظهر لاحقًا. واليوم يجد هذا الوصف طريقه مجددًا إلى النقاش العام مع اتساع الجدل حول ما حدث في مدرسة “الشجرة الطيبة”.
لكن القضية لا تتعلق فقط بسمعة رئيس أو بصحة تصريحاته. فاستهداف مدرسة يحمل في طياته أبعادًا أخلاقية وسياسية تتجاوز مجرد الجدل الإعلامي. فمدرسة “الشجرة الطيبة” لم تكن مجرد مبنى في بنك أهداف عسكري؛ كانت مكانًا يرتاده أطفال في بداية حياتهم التعليمية، وهو ما يجعل الحادثة رمزًا صادمًا لتداعيات الحروب الحديثة عندما تختلط الحسابات العسكرية بالقرارات السياسية المتسرعة.
ومن الناحية السياسية، فإن تداعيات هذه القضية قد تمتد إلى ما هو أبعد من إدارة ترامب نفسها. فالحرب على إيران لم تكن قرارًا فرديًا للرئيس وحده، بل جاءت بدعم واضح من قيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس. ولذلك فإن أي فضيحة تتعلق بتضليل الرأي العام أو إخفاء حقائق مرتبطة بالحرب قد تتحول إلى عبء سياسي ثقيل على الحزب الجمهوري بأكمله، خاصة في بلد يلعب فيه الرأي العام دورًا حاسمًا في رسم مستقبل القيادات السياسية.
وفي الوقت ذاته، بدأت آثار الحرب تظهر في الاقتصاد العالمي. فالتوتر المتصاعد في منطقة الخليج وتهديد طرق الملاحة والطاقة أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود عالميًا. وهذه التطورات لا تبقى بعيدة عن الداخل الأمريكي، حيث يعد سعر البنزين أحد أكثر المؤشرات الاقتصادية حساسية بالنسبة للناخب الأمريكي. ومع ارتفاع الأسعار، بدأت شعبية الإدارة الأمريكية تتعرض لضغوط متزايدة، وهو ما قد ينعكس بدوره على مستقبل الرئيس ترامب السياسي وعلى مكانة الحزب الجمهوري في الانتخابات القادمة.
وفي عالم يعاني أصلًا من اضطرابات اقتصادية متزايدة، فإن أي حرب في منطقة الخليج تعني ببساطة أن كلفتها لن يدفعها طرف واحد، بل سيدفعها الاقتصاد العالمي بأسره.
التاريخ مليء بالأمثلة التي حاولت فيها الحكومات إخفاء بعض الحقائق في زمن الحرب، لكن تلك الحقائق غالبًا ما تجد طريقها إلى العلن. وقد كانت الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة، منذ فضيحة "وُترجيت" وحتى اليوم، أحد أهم الأدوات التي كشفت ما حاولت السُلطة إخفاءه.
واليوم، وبين الرواية الرسمية التي حاولت الصمود، والحقائق التي بدأت تتكشف تباعًا حول ما جرى في مدرسة “الشجرة الطيبة”، يتكرر الدرس القديم مرة أخرى: قد تستطيع الحكومات إخفاء الحقيقة لبعض الوقت… لكنها لا تستطيع دفنها إلى الأبد.
ففي النهاية، وكما يقول المثل الذي أثبت التاريخ صحته مرارًا: "حبل الكذب قصير… جدًا".
