تصعيد أمريكي بلا مردود سياسي (1- 3)

 

 

 

ناجي بن جمعة البلوشي

في ظاهرة قد تؤدي الى تحوّلات كبرى لا يمكن لأي أحد استيعابها في الواقع حتى وان استسلم للواقع ذاته، فهنا تختلط نشوة استعراض القوة بالجغرافيا لتتصادم مع المصالح العظمى. ولان الحروب لم تعد مجرّد مواجهات عسكرية تقوم على سبب واقعي وحقيقي وملزم انتهت قبله كل سبل الدبلوماسية لتُحسم بعدها السياسة في ميادين القتال، بل أضحت مرايا تعكس عمق الاختلالات في بنية النظام الدولي ذاته، فأصبحت مختبراتٍ مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوى.

الحروب الحديثة تحوّلت إلى عمليات مركّبة تتداخل فيها العوامل العسكرية مع الاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية. وعليه، فإن قراءة أي صراع معاصر تستدعي استشراف مساراته المحتملة، لا بوصفها تنبؤات جامدة، بل كتصوّرات ديناميكية تتأثر بقرارات الفاعلين وتحوّلات البيئة الدولية، وضمن هذا الإطار، يمكن رسم سيناريو واحد لنهاية الحرب الدائرة الان بين أمريكا واسرائيل ضد إيران، له منطقه الخاص وتداعياته بعيدة المدى. ومع تعددية الاحتمالات وتشابكها، حيث يرسم الإطار العام لأي حرب معاصرة بين: الحسم السريع، الاستنزاف طويل الأمد، التدويل والتسوية المفروضة، والانفجار الإقليمي؛ وهي مسارات تتراوح بين وهم النهاية الحاسمة، وواقع الفوضى الممتدة. ففي خضم التعثر الذي واجهته الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في تحقيق حسم سريع، ضمن الإطار الزمني الذي رُوّج له سياسيًا وإعلاميًا، يتبدّى أن الرهانات الأولية قد بُنيت على تقديرات أقرب إلى النزعة الأيديولوجية منها إلى الحسابات الواقعية.

وتعقيد مسارح العمليات، إلى جانب مستوى من التكافؤ النسبي في القدرات الدفاعية لدى الجانب الإيراني، أفضى إلى إطالة أمد المواجهة وتآكل فرضية الحسم الخاطف. ومع إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من اختناق في إمدادات الطاقة وارتدادات اقتصادية عالمية متسارعة، تصاعدت الضغوط الدولية والشعبية على صانع القرار في واشنطن، ما دفع دوائرها الاستشارية إلى البحث في بدائل ميدانية، أو ما يُعرف بـ"الخطة باء".

غير أن هذه الخطة، في جوهرها، تبدو أقرب إلى محاولة احتواء الأزمة منها إلى تقديم حل استراتيجي متماسك. وتتمحور التصورات المطروحة حول السيطرة على أجزاء من الساحل الإيراني المُطِل على الخليج العربي، أو احتلال بعض الجزر الحيوية، بهدف تأمين خطوط الملاحة وإعادة فتح المضيق. إلّا أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من طابع عملي ظاهري، يصطدم بجملة من التحديات البنيوية؛ فالجغرافيا المعقدة، والامتداد الساحلي الواسع، فضلًا عن احتمالات المقاومة الشعبية والعسكرية، تجعل من أي وجود بري أجنبي هدفًا مفتوحًا ومكلفًا، يصعب تأمينه أو استدامته.

إلى جانب ذلك، فإن عمليات تطهير الممرات البحرية من الألغام وتأمينها لن تكون مهمة سريعة أو منخفضة الكلفة؛ بل ستستدعي حشدًا بحريًا وجويًا كبيرًا معرضًا بدوره لخسائر محتملة منذ لحظة دخوله منطقة العمليات. وهو ما يعني عمليًا إطالة أمد الأزمة الاقتصادية العالمية، بدل احتوائها. لكن هذا التحليل لم يوقف أمريكا من حشد قواتها فعليا وإن كان هذا الحشد ليس سوى مناورة غامضة.

في المقابل، إيران لم ترَ هذا المنظر وصمتت؛ بل نقلت المعركة الى الجانب الآخر من البحر وهنا أعني مضيق باب المندب؛ حيث دخلت ذراعها اليمنية في الحرب بمجرد أن حركت القوات الأمريكية حشودها من اليابان إلى الخليج لتكون مهمة فتح مضيق هرمز من المهام الصعبة، ويكون السيناريو المتوقع الأكثر حساسية؛ فالدخول في صراع عسكري لفتح مضيق هرمز يعني إغلاق المضيقين. وهذا الذي تعرفه أمريكا والدول التي شاركتها الحرب على جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) سابقًا، وتعرف أن الحوثيين قادرون على غلقه دون تردد ولا خوف، وقد جربتهم أمريكا والمتحالفين معها من قبل.

هنا تتقاطع القوة العسكرية مع الضعف والجبن الاقتصادي؛ فالضغط على الحوثيين في صنعاء عسكريًا يعني توقف ما تبقى من إمدادات للنفط من الخليج العربي ومعه سيتوقف فورًا كل ما يُصدَّر ويُستورَد عن طريق البحر الأحمر مع أول طلقة؛ ما يعني فعليًا حربًا اقتصادية عالمية أوقدت نارها أمريكا وإسرائيل.

الأكثر قراءة

z