الطوائف في لبنان: مصالح وممارسات زمن الحروب والأزمات

 

 

 

جان يعقوب جبور

اسمحوا لي أن أكتب هذه المقالة ولديَّ غصةٌ وحزنٌ أن الطائفية في لبنان- مصحوبة بالمُحاصَصَة والتبعية- ما زالوت العمود الفقري والدعامة الأساسية للنظام اللبناني منذ الاستقلال، ما أفرز قيادات وحكومات وأحزابًا وسياسيين في معظمها طائفية لا تتمتع بالوطنية والمواطنة.

في كل محطة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، كانت وحدة الطوائف تُختَبَر تحت ضغط الأزمات والحروب، وغالبًا ما كانت محاولات خرق هذه الوحدة تتكثّف كُلَّما اشتدّ الخطر الخارجي. هذا الخرق لم يكن وليد اللحظة؛ بل مُمارسة متكرّرة تهدف إلى إضعاف البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد، عبر استثارة العصبيات وإعادة إنتاج الانقسامات، بما يخدم مصالح داخلية وخارجية على حدّ سواء.

منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، استُخدمت الانقسامات الطائفية كأداةٍ مباشرةٍ لتفكيك المجتمع اللبناني. ومع اتفاق الطائف عام 1989، بدا أن البلاد دخلت مرحلة جديدة قائمة على التوازن، إلّا أن هذا التوازن بقي هشًّا، وعرضة للاهتزاز عند كل استحقاق سياسي أو أمني؛ لأنه استُغِل لمصالح حزبية ومذهبية وفئوية. ففي حرب يوليو/تموز 2006، ورغم مشاهد التضامن الشعبي بين مختلف المناطق والطوائف، ظهرت سريعًا خطابات تُشكِّك وتُحمِّل فئةً دون أخرى مسؤولية الحرب، ما أعاد فتح الجروح الطائفية في لحظة كان يُفترض أن تُكرّس للوحدة الوطنية. وقد تكرّر المشهد بشكل أوضح خلال أحداث 7 مايو/أيار 2008، حين تحوّلت الخلافات السياسية إلى صدامات مسلّحة ذات طابع طائفي؛ ما أظهر هشاشة السِلْم الأهلي وقابلية الانزلاق السريع نحو الانقسام. وفي السنوات اللاحقة، ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، دخل لبنان مرحلة جديدة من الاستقطاب؛ حيث انعكست الصراعات الإقليمية على الداخل، وتزايدت محاولات تصوير كل طائفة وكأنها في مواجهة الأخرى، بدل التركيز على التحديات المشتركة.

فيما يسمى انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، برز مشهد مغاير؛ حيث نزل اللبنانيون إلى الشارع تحت شعارات عابرة للطوائف، في محاولة لكسر القيد التقليدي للانتماءات الضيقة. غير أن هذه اللحظة أيضًا لم تسلم من محاولات الاختراق؛ إذ سُرعان ما انقسم الشارع من خلال بعض الخطابات لتُصنِّف الحراك وتُفرِّغُهُ من مضمونه الجامع، عبر ربطه بأجندات طائفية وخارجية.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية في عام 2026، وخصوصًا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير المدعوم من الولايات المتحدة على لبنان، عادت مسألة وحدة الطوائف إلى الواجهة؛ ففي الأيام التي تلت 28 فبراير/شباط 2026؛ حيث شهدت مناطق جنوبية وبقاعية غارات مُكثَّفة، برزت في المقابل موجة تضامن إنساني من مختلف المناطق اللبنانية، تمثّلت في استقبال النازحين وتقديم المساعدات. إلّا أن هذا المشهد لم يَخلُ من محاولات موازية لبثّ الشكوك؛ سواء عبر وسائل إعلام أو منصات رقمية أو بعض أحزاب الحرب الأهلية ذات التبعية الخارجية، من خلال تضخيم الخسائر في مناطق معينة، أو التلميح إلى "عدم تكافؤ" في تحمّل أعباء المواجهة، ما يُعيد إنتاج الانقسام في لحظة حساسة.

تاريخيًا، لم تكن هذه المحاولات عفوية؛ بل غالبًا ما ارتبطت بمشاريع سياسية تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى داخل لبنان. ففي كل مرة يُظهِرُ فيها اللبنانيون قُدرةً على التكاتف، تَظهر بالمقابل أدوات تفكيك، تتراوح بين الخطاب التحريضي، والتضليل الإعلامي، وصولًا إلى الاستغلال الحزبي والسياسي للأزمات. هذا النمط تكرَّر بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005؛ حيث تعزَّزت المذهبية أكثر وانقسم الشارع بين معسكرين كبيرين، وكاد هذا الانقسام أن يتحوّل إلى صدام مباشر في أكثر من مناسبة.

إنَّ خرق وحدة الطوائف لا يقتصر على التحريض المباشر؛ بل يشمل أيضًا سياسات الإهمال والتفاوت في الخدمات، التي تُشعِر كل فئة بأنها مُستهدفة أو مُهمَّشة، ما يُعمِّق الشعور بالغُبن ويُغذّي الانقسامات، والتي تُمارَس قصدًا في كثير من الأحيان من عدة أحزاب وسياسيين لاستمرار السيطرة على أتباعهم ولو بأساليب شعبوية. وفي زمن الحروب، يصبح هذا الخرق أكثر خطورة؛ إذ يتقاطع مع الخوف والقلق، فيُسهِّل استدراج الناس إلى مواقف مُتشنِّجَة. ورغم ذلك، تُظهر التجارب المُتكرِّرة أن هناك دائمًا هامشًا للتماسك، يتجلّى في المبادرات الشعبية العابرة للطوائف (ولو كانت قليلة لأن في لبنان لا يوجد لدينا أحزاب وطنية، لأن بعضهم يستعمل هذه العبارة لأغراض تعبوية مذهبية شعبوية بحتة)، وفي الوعي المتزايد لدى بعض الفئات بخطورة الانجرار وراء الخطاب التقسيمي. غير أن هذا الهامش يبقى مهدّدًا ما لم يُترجم إلى سياسات واضحة تعزّز المواطنة وتحدّ من استغلال الانتماءات الطائفية.

وفي الختام.. يبدو أن خرق وحدة الطوائف في لبنان ليس مجرد نتيجة جانبية للأزمات؛ بل أداة تُستخدم بوعيٍ لإضعاف البلاد، خاصةً في أوقات الحروب. وما لم تُواجَه هذه الممارسة بمشروع وطني جامع وبقانون انتخابي وطني (على عكس القانون الانتخابي الحالي) وبقيادة محلية "صُنعت في لبنان"، سيبقى لبنان عُرضة لدورات متكرّرة من التماسك والانقسام؛ حيث تُبنى الوحدة في لحظات الخطر، ثم تُستهدف فور انحساره. ويبقى السؤال الكبير والعميق: هل من دولة تسعى إلى وحدة اللبنانيين وتقليص دور الأحزاب الطائفية من خلال مراجعة أنظمتهم الداخلية ومراقبة ممارساتهم الشعبوية وإلغاء مفهوم "طائفتي وزعيمي دائمًا على حق" بدلًا من "وطني دائمًا على حق"؟!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z