سيادة في زمن التحولات.. من سلاح الميدان إلى هيمنة الخوارزميات

 

 

 

أحمد بن محمد العامري

ahmedalameri@live.com

 

 

لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهات عسكرية تقليدية تُقاس بنتائج المعارك المباشرة، بل غدت منظومات معقدة لصراع متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه القوة الصلبة مع الناعمة، والنفوذ الرقمي مع التفوق التقني، في ظل قدرة متزايدة على إدارة المعلومات بفاعلية.

وما كشفته الحرب الأخيرة على إيران لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا، بل يمثل نموذجًا مكثفًا لتحول عميق في طبيعة القوة، وانكشافات استراتيجية تستدعي قراءة متأنية لما بعد الحرب، لا الاكتفاء بتحليل مجرياتها.

لقد تهاوت، أو كادت، مسلّماتٌ شكّلت لعقود أساس التفكير العسكري منذ الحرب العالمية الثانية؛ فلم تعد حاملات الطائرات وحدها رمز الهيمنة، ولا التفوق الجوي التقليدي كافيًا لفرض السيطرة، ولا المدرعات أو المدفعية ضامنًا للحسم؛ فالمعركة اليوم تُدار عبر منظومات مرنة، منخفضة الكلفة نسبيًا، عالية التأثير، تقوم على السرعة والدقة والقدرة على الاختراق الحاسم.

وقد برزت الطائرات المسيّرة كأداة استراتيجية تعيد تشكيل ميزان القوى، ليس فقط بقدرتها الهجومية، بل بمرونتها في الاستطلاع والتشويش والاستنزاف. كما أصبحت الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، بما فيها الفرط صوتية أو دون ذلك، أدوات لفرض معادلات ردع جديدة تتجاوز الجغرافيا وتختصر الزمن بين القرار والتنفيذ.

غير أن التحول الأعمق يتمثل في انتقال جزء كبير من ساحة الصراع إلى الفضاء غير المرئي؛ الفضاء السيبراني؛ حيث لا تُسمع الانفجارات، لكن آثارها قد تكون أشد وقعًا، فالهجمات السيبرانية لم تعد عمليات تخريب محدودة، بل أدوات استراتيجية قادرة على تعطيل البنى التحتية وإرباك أنظمة الملاحة، واختراق قواعد البيانات، بل والتأثير في الوعي العام عبر توجيه المعلومات وتضليلها.

ومن هنا، غدت حرب المعلومات عنصرًا حاسمًا في رسم مآلات الصراع؛ إذ لم يعد الهدف تدمير قدرات الخصم فحسب، بل إعادة تشكيل إدراكه وإدراك جمهوره للواقع.

وبالتوازي، تعاظم دور أنظمة الرادار المتقدمة والإنذار المبكر، والدفاعات الجوية متعددة الطبقات، إلى جانب القوة الصاروخية الرادعة التي تشكل مجتمعة خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات المركبة والمتزامنة.

وفي ظل هذه التحولات، لم يعد الأمن الوطني مفهومًا عسكريًا ضيقًا، بل منظومة شاملة تتداخل فيها الأبعاد التقنية والاستراتيجية. وهنا تبرز السيادة التقنية بوصفها حجر الزاوية في أي مقاربة دفاعية حديثة.

إنَّ تعزيز الأمن المعلوماتي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية تبدأ بتمكين الكفاءات الوطنية في مجالات الأمن السيبراني وتقنية المعلومات، وتمتد إلى إعادة هيكلة إدارة وتشغيل المنصات الرقمية الحكومية وغير الحكومية، لتكون بأيدٍ وطنية مؤهلة. فهذه المنظومات تمثل العمود الفقري للدولة الحديثة، وأي اختراق لها قد يعادل في أثره ضربة عسكرية مباشرة.

وانطلاقًا من ذلك، يًصبح تقليص الاعتماد على الكوادر الأجنبية في القطاعات التقنية خطوة استراتيجية لا غنى عنها، على أن يتم ذلك بشكل تدريجي ومدروس يضمن الاستمرارية والكفاءة، كما يبرز ضرورة الحد من الاعتماد على مصادر خارجية في إدارة الأنظمة المعلوماتية وحفظ البيانات لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر كامنة على المدى البعيد.

غير أن هذا التحول يظل رهين استثمار حقيقي في الإنسان؛ في التعليم النوعي، والتدريب المتخصص، وبناء برامج وطنية متقدمة تُعنى بإعداد جيل قادر على التعامل مع تعقيدات العصر الرقمي. فالقوة اليوم لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل.

وفي صميم هذه المعادلة يقف الشباب العُماني بوصفه الرهان الأهم؛ حيث إنَّ اكتشاف الطاقات المبدعة واحتضان الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الدفاعية، لم يعد ترفًا، بل ضرورة استراتيجية؛ فهؤلاء هم من سيصممون الخوارزميات، ويديرون الشبكات، ويطوّرون أدوات الردع المستقبلية.

إنَّ تمكين الشباب، ومنحهم الثقة وتهيئة بيئة حاضنة لإبداعهم وربطهم بمشاريع وطنية استراتيجية، كفيل بإنتاج جيل مختلف: جيل يصنع التقنية بدل استهلاكها، ويبادر بالفعل بدل الاكتفاء برد الفعل.

لقد دخل العالم مرحلة تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على التحكم في المعرفة وحماية بياناتها وتطوير أدواتها التقنية. والدول التي تنجح في الانتقال من منطق "امتلاك السلاح" إلى "امتلاك القدرة على إنتاجه وتطويره تقنيًا"، هي الأقدر على ترسيخ سيادتها.

في الختام.. لم تعد معارك المستقبل تُخاض في البر والبحر والجو فحسب، بل في الشيفرات والخوارزميات وشبكات البيانات. ومن يدرك هذه الحقيقة مبكرًا ويعيد بناء منظومته الدفاعية على أساسها، لن يكون مجرد طرف في الصراع؛ بل صانعًا لقواعده.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z