"الطابور الخامس" بمنهج جديد!

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

يقول الثائر الإسباني إميليو مولا: "لديّ أربعة طوابير تتقدم نحو مدريد، وطابور خامس داخلها".

لقد أثارت هذه المقولة الرعب في مدريد، ليس بسبب المهاجمين الذين يتجهون إلى ساحة المعركة ويقابلونهم وجهًا لوجه، بل من أولئك المتواجدين في الداخل، والذين لا يعرفونهم ولا يحملون السلاح وقد يكونون وسطهم، لكنهم ينخرون الداخل كما تنخر الرمَّةُ الخشب، أولئك الذين يقدمون خدمات جليلة للعدو بقصد أو بغير قصد، المحبطون والمتشائمون والذين يبثون الخور والهوان في صفوف الأمة.

طابور خامس مخفي أشد خطرًا على البلاد من الطوابير الأربعة الظاهرة، فهذا الطابور يوهن العزائم ويثبط الهمم ويزرع الشك في النفوس، وربما يصل إلى أكثر من هذا عندما يستغل العدو ضعاف النفوس من الداخل بطريقة تخدم مصالحهم، وهنا تصل إلى مرحلة التخابر والعمالة والخيانة للوطن، الذي يُطعن من الداخل فينهار، وفي التاريخ قصص وروايات كثيرة في هذا الشأن، جميعها أفضت إلى نتيجة واحدة، إلا إذا انتبهت الأمم إلى الداخل بقدر ما تنتبه إلى الخارج.

في السابق كانت تبذل الدول جهودًا كبيرة لتجنيد الطابور الخامس، وكانت تبذل جهدًا ومالًا ووقتًا لتحقيق ذلك، أما في الوقت الحالي فالأمر لم يعد يحتاج إلى كل ذلك الوقت والمال والجهد، فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة سهلة لتمرير الأفكار وتكوين التوجهات، ويكفي أن يخرج من العدو مأجور يؤثر على الرأي العام فيتبعه المرجفون والمترددون والناقمون والحاقدون والمترددون ومن لا يملك فكرًا ووعيًا، فيتبعون فكره ونهجه ويصدقون كلامه دون أدنى تفكير وقياس لما يقوله ويبثه ضد وطنهم.

في هذا الوقت لا يلزم أن يكون الطابور الخامس من الجواسيس والمُندسِّين، فيكفي أن يتجه فرد إلى زراعة الفتنة الطائفية، أو إلى زعزعة ثقة المجتمع بالتوجهات السياسية الوطنية، أو التشكيك في المعلومات والبيانات التي تقدمها الحكومة للمجتمع، أو أن يلتقط صورة لحدث وينشرها، أو أن ينشر صورًا بمواقع عسكرية وأمنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كل ذلك يكفي ليقدم الفرد خدمة جليلة للعدو، ويكفي ذلك ليضع الوطن في مأزق حقيقي، ويحقق مكاسب للعدو.

وقد اختلف مفهوم مصطلح "الطابور الخامس" عبر الزمان، وسوف يختلف ويتغير مع مرور الوقت، فمن فكرة عابرة لدى مولا لزعزعة ثقة المدريديين، إلى نهج سياسي يتبنى فكرة تجنيد العملاء، وصولًا إلى الأدلجة الفكرية والسياسية الجديدة التي تخدم العدو وتحقق مصالحه وقت السلم والحرب، يمر هذا المفهوم بتحولاتٍ مُمنهَجةٍ تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وإلا فما تفسير أن نجد من بيننا من يتبنى أفكار الصهيونية العالمية، ويُشكِّك في قيمة وأحقية القدس والمسجد الأقصى للعرب، وكيف يخرج مِنَّا من ينادي بالتطبيع وقبول هذا الكيان الغاصب المحتل، الذي تسبب وجوده بكل هذه المعاناة التي يعيشها عالمنا العربي والإسلامي اليوم.

الطابور الخامس يتسلل في أفكارنا، وعلينا أن نحذر منه فلا ندري ما الشكل الذي يتخذه للوصول إلى قناعاتنا وتغييرها، وما الحال الذي يبدو عليه ليقودنا إلى معتقدات لم نكن يومًا نعتقدها، الطابور الخامس اليوم يحاول الضرب في اللحمة الوطنية، ويسعى لتقويض قوة النسيج الوطني الواحد، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي من خلال حملة التشكيك في التوجهات السياسية للوطن، ويهدف إلى عرقلة مسيرة التنمية، ويسعى بكل جهد إلى إعادتنا إلى منظومة ندرك جيدًا أنها تسير بالاتجاه الخاطئ، ويدركون جيدًا ذلك ولكنهم ينفذون أجندة رُسمت لهم ولا يملكون حولًا ولا قوة.

علينا أن نتسلح بالوعي، فوحده من سوف يسير بنا إلى عدم الانسياق لهذه المخططات الغادرة، والأساليب الخائنة، وعلينا أن ندرك أن التمسك بالقيم والمبادئ السياسية وعدم الدخول في المخططات الجماعية، وعدم الانصياع لأوامرهم يجعلنا هدفًا لمخططاتهم الخبيثة، هذه المخططات التي طالما عرفها العالم عنهم منذ القِدَم، وأشار إليها القرآن الكريم منذ ما يزيد على 14 قرنًا، قال تعالى: "أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (البقرة: 75).

الأكثر قراءة

z