من رائحة مكة.. إلى وجعِ الأمّة

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

لم تكن مكة مجرّد أرض مقصد للتعبّد بل ميدان تُختبر فيه القلوب. هناك حيث البيت العتيق وبجانبه الأصنام قائمة خرج رجال ونساء يحملون يقينًا لا يُقهر. تُشمّ رائحة الصبر في الطرقات وتُسمع خفقات القلوب وتصمد بلا انكسار.

ثم تأتي المدينة فتتحوّل الرائحة إلى روح. روح مؤاخاة صنعت أُمّة. صار الغريب أخًا وصار المال مشاعًا وصار الدين الرابط الأعلى الذي لا يُكسر.

وعندما دخل أهل قريش والقبائل في الإسلام لم يكن ذلك تبديل عبادة بعبادة بل انقلابًا في الموازين. صار الانتماء للإيمان قبل النسب وللعقيدة قبل القبيلة.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]

ولقد خرج المهاجرون لا هروبًا بل صعودًا. تركوا كل شيء ليبقى الدين. وفي المدينة لم يكن الأنصار فقط كرماء بل شركاء في المصير.

قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

كما سقطت كل الاعتبارات أمام الإيمان. الدم لم يعد معيارًا والعقيدة صارت الفاصل. بَدْرٌ أُحُدٌ الخَنْدَقُ لم تكن معارك تاريخ بل إعلان قاعدة: الإسلام أولًا وما سواه يُوزن.

ولقد كان طوفان الأقصى لم يكن شرارة بل صفعةً أيقظت أمّةً نامت طويلًا. سنوات عجاف من الذل والتبعية والتنازلات. وما نراه اليوم ليس حدثًا طارئًا بل صدى الخندق في زمن جديد. استشهد القادة البارزون في الميدان: السنوار ومحمد الضيف وأبو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب القسام. وكان الختام قبل الارتقاء بعبارة خالدة: “لِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.” "نحن خصومكم يوم القيامة"، فكل قطرة دم سقطت هناك تُكتب في سجل الخالدين. والحق لا يُهدر ولن يُسقط ولو بعد حين.

وفي غزوة الخندق لم يكن الخطر في كثرة العدو فقط بل في هيبته التي شلّت القلوب، إذ وقف عمرو بن ودّ فارس العرب يضرب الأرض بخيله وينادي من يبارز. فسكت الجمع لا جبنًا بل رهبة من اسم صُنِع له في الوعي أنه لا يُقهر.

ثم قام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يستأذن الرسول عليه الصلاة والسلام. وحين أُذِن له لم يتقدّم بسيف فقط بل بعقيدة. لم يحمل ذا الفقار بيد بل حمل يقينًا لا يعرف الهزيمة. لم يُهزم رجل بل سقط وهمٌ كان يُكبِّل أمّة.

وحين يكون الرباط حبل الله القويم يتحوّل الضعف قوّة ويتحوّل القليل أثرًا يزلزل الكثير. وما نراه اليوم ليس بعيدًا عن ذلك المشهد: في غزّة سقطت صورة الجيش الذي لا يُقهر. في جنوب لبنان انكسرت شوكته. ومن اليمن انطلقت صواريخ تُربك حساباته.

وها هي إيران تقف في وجه تحالف كفر بالشرعية الدولية وداس القانون الدولي تحت أقدام مؤسساته تُقاتل بعقيدة لا تُقاس بالأرقام.

وبلا شك، فإن الدول لا تُحترم بالشعارات ولا بتكديس المال بل بقدرتها على الفرض والتأثير ما ترونه اليوم نتيجة خياراتكم: اتّكاء على الغير قرار مرهون قوّة مؤجّلة وهيبة مُستعارة، والقضية ليست شيعية ولا صفوية كما تُردّدون! بل نموذج أمّة تبني سيادتها رغم الحصار. لم تُوقفها العقوبات ولا تآمر القريب والبعيد فاستمرّت حتى فرضت حضورها. أمّا أنتم.. فانظروا إلى حالكم بصدق، وكفّوا عن الهروب إلى الطائفية، وكفّوا عن ستر العجز بشعارات دينية.

العالم لا يحترم من يعيش على هامش غيره. فلماذا رضيتم بالتبعية ثم تعيبون على غيركم سعيه للسيادة؟ لماذا تُصفّقون للضعف إذا لبس ثوب “الصواب” وتُهاجمون القوّة لأنها لا تُشبهكم؟

من حبس نفسه في زاوية المذهبية خسر الحقيقة. ومن عطّل عقله لن يرى إلا ما يُملى عليه. ومن رضي بالوحل.. لن يفهم كيف تُصنع القمم.

لقد آن أوان المراجعة.. لا تجميل للواقع بل اقتلاع للوهم، فالأمن الذي يُستعار يُسحب والقوة التي لا تُبنى تُفرض عليها الشروط. والتطبيع مهما أغرتكم مغرياته ليس إلا غواية تُزيَّن في أولها وتنكشف في آخرها وهنًا كبيت العنكبوت.

الأكثر قراءة

z