د. شيرين النوساني
ثمة كتب تمر علينا مرورًا عابرًا، نغلقها ونمضي. وثمة كتب تضعنا داخلها دون أن تشعرنا، وحين ننتهي منها نكتشف أنها كانت تقرأنا بقدر ما كنا نقرأها. وكتاب "الطريق إلى مكة" للرحالة المصري عمرو سليم، ينتمي إلى هذا الصنف النادر.
هنا لا أتحدث بصفتي ناقدة فقط، بل بصفتي قارئة دخلت النص فدخل فيها النص، وخرجت منه بأسئلة لم تكن في الحسبان: لماذا نتحرك في الحياة أصلًا؟ وماذا يبقى منا حين يُنزع عنا كل شيء مألوف؟
لذلك، حين أمسكتُ القلم لأكتب عن هذا الكتاب، وجدتني أميل إلى الشهادة قبل التحليل. لا لأن التحليل غير مهم؛ بل لأن هذا النص يفقد كثيرًا من معناه حين يُحاصر بالمفاهيم وحدها. لكني، في الوقت نفسه، ناقدة تعرف أن النص الذي يترك هذا الأثر لا بد أن تكون له بنية وتقنيات وطبقات. وهذا ما أردتُ أن أتلمسه هنا.

ظاهريًا، الرحلة واضحة كالخريطة: القاهرة، سفاجا، ضبا، الوجه، أملج، ينبع، بدر، المدينة، مكة، ثم العودة. خط أفقي، مرحلة بعد مرحلة. لكن تحت هذا الخط الظاهر، ثمة رحلة أخرى لا تُرى بالعين: رحلة الانفصال، ثم الاختبار، ثم التجلي، ثم العودة. هذا البناء الرباعي ليس وصفًا لرحلة على دراجة، بل بناء تحويلي: الانفصال عن المألوف، الاختبار في العراء، لحظة الكشف، ثم العودة حاملًا ما اكتُشف. البنية نفسها التي نجدها في كل أدب عظيم يحكي عن إنسان خرج من بيته ليكتشف أنه كان يبحث عن بيته الحقيقي. وما يميز عمرو سليم أنه يجعل هذه الرحلة الثانية هي الرحلة الحقيقية؛ فالجغرافيا كلها تصبح استعارة عن تحولات النفس.
في قلب هذه البنية، ثمة لحظة فارقة. ليست في مكة، كما قد يتوقع القارئ، بل في منتصف الصحراء، في صفحة 72، حيث يكتب: "تسلل اليأس إليّ للحظة ومر في رأسي خاطر مرعب: ماذا لو انتهت الرحلة هنا؟" ثم: "قلت لنفسي: إن لم يسعفك أحد، فلتسعفك إرادتك. دفعت الدراجة ببطء. وواصلت السير." هنا يتوقف أدب الرحلة ليصبح أدبًا وجوديًا. السؤال لم يعد: هل سيصل إلى مكة؟ بل: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ أن تنهض حين لا يبقى لك شيء. وهذا ما يجعل النص يتجاوز حدود أدب الرحلات ليقترب من تجربة تأملية ذات طابع روحي، تصبح فيها الحركة في المكان وسيلة لاكتشاف الداخل لا مجرد عبور خارجي.
ولأن الرحلة فعل جسدي قبل أي شيء آخر، فإن للجسد حضورًا طاغيًا في النص. لكن الجسد هنا ليس كتلة عضلات، بل وعاء للمعنى. وفي وسطه، تتحول الدراجة من وسيلة نقل إلى كيان مشارك في التجربة. "في المرتفعات كنت أسمع أنينها الخافت، فأشفق عليها كما أشفق على نفسي"، يكتب في صفحة 17. إنها ليست آلة، بل امتداد للذات، رفيق وجودي يتعب حين يتعب الجسد، ويشهد على كل انهيار وكل نهوض. "ما دمت قادرًا على الحركة فأنت حي، وما دمت تتحرك بإرادتك فأنت حر." في هذه الجملة البسيطة تتحول الحركة من فعل جسدي إلى تعريف للحرية ذاتها. وهكذا تكتسب الدراجة معناها الأعمق: رمزًا للاعتماد على الذات وللبطء الواعي في عالم يقدّس السرعة.
وإذا كانت الدراجة هي الرفيق القريب، فإن الصحراء هي المدرسة الأوسع. في هذا النص، الصحراء ليست مجرد فضاء طبيعي، بل مساحة للتجريد، حيث تقل الموارد، وتختفي الضوضاء، ويواجه الإنسان ذاته بلا وسائط. "140 كيلومترًا دون أن أرى بشرًا ولا قرية ولا ظل نخلة واحدة." هذا ليس وصفًا جغرافيًا فقط، بل فراغ يعيد تشكيل الوعي. الليل في الصحراء لحظة تأمل، والنهار اختبار تحمّل. وبينهما تتشكل علاقة جديدة بين الإنسان والعالم: علاقة تقوم على البساطة والانتباه. وهنا ينجح الكاتب في توظيف المكان كأداة تفكير، لا مجرد خلفية للأحداث.
لكن الطريق، رغم قسوته، لا يُعاش في عزلة كاملة. وهذا من أجمل ما في الكتاب: حضور الآخر. عامل المقهى الذي يقول "ادعِيلي" (ص38)، الرجل الذي يساعد في أزمة العملة (ص51)، الصوت المصري الذي ينادي وسط الطريق (ص56)، الصديق الذي أيقظه من انهياره: "قم يا أخي، لا تترك الحلم ينام" (ص112)، ورجل الأمن عند باب الحرم: "اتركها هنا وادخل، الله يحفظك" (ص115). قد يبدو هذا التكرار للوهلة الأولى تفصيلًا عابرًا، لكنه يكشف المعنى الأعمق للكتاب: الطريق إلى الله لا يُقطع وحيدًا. أنت تمضي وحدك، نعم، الدراجة لا تحمل غيرك، لكن هناك شبكة خفية من الأيدي تحيط بك. أناس لا يعرفونك، ليس بينك وبينهم نسب ولا عِشرة، ويمدون لك يدهم. لماذا؟ لأنك في الطريق. لأنك تحلم. لأنك تحاول.
يكتب عمرو سليم بلغة تميل إلى الشاعرية دون أن تنفصل عن السرد. الصور البلاغية حاضرة، لكنها في أغلبها موظفة لخدمة التجربة لا لاستعراض الأسلوب. ومع ذلك، لا يخلو النص من بعض الإطالة والتكرار، يبدو أن مصدرهما ذلك التأمل الدائري الذي يحوم فيه الكاتب حول معانيه، مقتربًا ومبتعدًا ثم عائدًا. وربما كان اشتغال أكثر صرامة على التكثيف سيمنح النبض قوة أوقع، دون المساس بجمال اللغة أو عمق التجربة.
في النهاية، في صفحة 83، تتبلور الفكرة المركزية في جملة واحدة: "لقد علمتني الصحراء أن الرحلة الحقيقية لا تقاس بالمسافات، بل بمدى قربنا من أنفسنا." جملة بسيطة، لكنها تحمل فلسفة هذا الكتاب كله. هذا الرجل لم يذهب إلى مكة ليقول لنا إنه وصل إلى مكة، بل ليقول لنا إنه وجد نفسه في الطريق إليها.
لهذا لا أقرأ هذا الكتاب كقصة وصول، بل كقصة كشف: كشف للطريق، وكشف للإنسان، وكشف لفكرة بسيطة لكنها قاسية: أن الرحلة الحقيقية ليست إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل أيضًا. "الطريق إلى مكة" ليس كتابًا عن الوصول إلى مكة، بل عن صناعة روح قادرة على الوصول.
كتب عمرو سليم هذا النص بصبر الدراج، ونشره بجرأة المغامر، وسيجده قريبًا منه كل من يعرف أن الطريق إلى الله يبدأ من الداخل، وأن العجلات لا تتوقف أبدًا. وهذا الكتاب يثبت أن أدب الرحلة العربي لا يزال قادرًا على أن يلبس ثوبًا جديدًا، وأن يحمل أسئلة جيل كامل يبحث عن ذاته في زمن السرعة والاستهلاك.
وبعد أن أغلقتُ الكتاب، لم يبقَ في ذهني مشهد الوصول، ولا صورة مكة، بل ذلك المعنى الأهدأ والأقسى معًا: أن أصعب رحلة في الحياة ليست أن نذهب بعيدًا، بل أن نقترب، بصدق، من أنفسنا.
