سلطان بن محمد القاسمي
ليس كل ما نعيشه يحتاج أن يُعرض، ولا كل ما نفهمه يجب أن يُشارك. وهناك مستوى من الإدراك يصل إليه الإنسان، لا لأنه انغلق، بل لأنه أدرك أن بعض المعاني لا تضعف لأنها مخفية، بل لأنها حين تُقال تُختزل. فما يُنقل منها يفقد طبقاته، وما يُبسط منها يفقد ثقله، حتى تتحول التجربة من شيء عميق عشته إلى فكرة عادية يمكن لأي أحد أن يكررها.
في وقت سابق، كان الميل إلى الشرح يبدو وكأنه شكل من أشكال الصدق. يبرر الإنسان، يفسر، ويعيد تقديم ذاته في كل موقف، كأن وضوحه أمام الآخرين ضرورة لا خيار. لكن ما لم يكن واضحًا حينها، أن هذا الوضوح لم يكن دائمًا صدقًا، بل كان محاولة مستمرة لتفادي سوء الفهم، حتى لو جاء ذلك على حساب الحقيقة نفسها.
ومع الوقت، يتضح أن الشرح لا يقرّبك كما تعتقد، بل يعيد تشكيلك. أنت لا تقول نفسك كما هي، بل كما يمكن أن تُفهم. ومع كل محاولة لتبسيطك، لا يتغير التعبير فقط، بل يتغير الإحساس نفسه. لأن ما لا يُقال كما هو، لا يبقى كما هو.
المشكلة لم تكن في الشرح بحد ذاته، بل في الحاجة إليه. فحين يُمعن الإنسان في تفسير ذاته، لا يكون دائمًا في مقام الإيضاح، بل في مقام البحث عن طمأنينة خفية تُجنّبه الرفض. ومع كل محاولة ليكون "مفهومًا"، يحدث تنازل غير ملحوظ، لا يطال الفكرة وحدها، بل دقتها أيضًا، ويمتد إلى ذلك الجزء الذي لا يمكن شرحه دون أن يفقد شيئًا من حقيقته.
وأحيانًا، لا نشرح أنفسنا ليُفهمنا الآخرون، بل لنُقنع أنفسنا أننا ما زلنا مقبولين، حتى لو لم نكن كما نحن تمامًا. وأحيانًا، المشكلة ليست في أن الناس لا يفهمونك، بل في أنهم يفهمونك كما يناسبهم، ثم يطلبون منك أن تشرح أكثر، حتى تصبح النسخة التي لا تُقلقهم.
ومع تكرار ذلك، يحدث شيء لا يُلاحظ بسهولة. لا تفقد فقط وضوحك، بل تبدأ في رؤية نفسك من خلال الطريقة التي قدمت بها ذاتك للآخرين. تصبح النسخة التي شرحتها، مرجعًا، حتى لو لم تكن هي الأقرب للحقيقة. وهنا لا يكون الخطر في سوء الفهم، بل في أنك بدأت تعتاد نسخة لم تكن لك في البداية.
وهناك فرق بين أن تُعبّر، وأن تُعيد صياغة نفسك لتناسب الفهم. فالأول امتداد طبيعي لما فيك، أما الثاني فعملية تقليم مستمرة، تُزيل من المعنى حدّته، ومن الشعور صدقه، حتى يصبح مقبولًا، لكنه لم يعد دقيقًا.
ومع الوقت، لا تعود المشكلة في أن الآخرين لم يفهموك، بل في أنك أنت بدأت تفهم نفسك بالطريقة التي شرحتها لهم. وهذا ليس فقدانًا للفهم، بل استبدال له.
ومع تراكم هذه المحاولات، يصل الإنسان إلى لحظة إدراك مختلفة. لا تأتي بشكل صاخب، ولا تحمل إعلانًا واضحًا، لكنها كافية لتغيير الاتجاه. حيث يدرك أن الفهم الذي يسعى إليه من الخارج لا يعادل ما يفقده في الداخل، وأن القبول الذي يأتي بعد الشرح غالبًا لا يكون قبولًا لك، بل لما أصبح مناسبًا منك.
هنا، يتغير التعامل مع الذات. لا بانسحاب، بل بتوقف. يتوقف الإنسان عن تقديم نفسه كموضوع للنقاش، ويتعامل معها كمساحة لا تحتاج إلى موافقة. لا لأنه لم يعد يهتم، بل لأنه لم يعد يرى نفسه شيئًا يجب تفسيره في كل مرة.
في هذا المستوى، لا يكون الصمت عجزًا عن التعبير، بل دقة في الاختيار. فليس كل ما يُفهم يُقال، وليس كل ما يُقال يستحق أن يُعاد. فبعض الأشياء تبقى أوضح حين لا تُشرح، لأن شرحها يُفقدها توازنها.
الأمر لا يتعلق بإخفاء ما في الداخل، بل بعدم استنزافه. فليس كل ما تعرفه يحتاج أن يُعرض، ولا كل ما تشعر به يحتاج أن يُترجم. هناك أشياء يكفي أن تبقى كما هي، دون محاولة لجعلها مفهومة، لأن قيمتها ليست في أن تُفهم، بل في أن تبقى صحيحة.
وما بين الإنسان ونفسه، تتشكل صورة لا تعتمد على الكلام، ولا تحتاج إلى مراجعة مستمرة. صورة تُبنى بهدوء، وتثبت دون إعلان، وتستمر دون أن تنتظر من يفهمها. وهذا النوع من الثبات لا يأتي من أن يراك الآخرون بوضوح، بل من أنك لم تعد تحتاج إلى أن تُرى بهذه الطريقة.
وفي الختام، ليس المطلوب أن تُغلق على نفسك، ولا أن ترفض المشاركة، بل أن تميّز بين ما يُقال، وما يبقى. أن تدرك أن بعض ما فيك لا يحتاج صوتًا، لأنه واضح بما يكفي داخلك. وأن الحياة التي تعيشها بصدق لا تحتاج أن تُفهم، لأنها إن احتاجت كل هذا الشرح، فربما لم تكن لك كما تظن.
