فول وقصب (7) 

مُزنة المسافر

 

مصيبة!، مصيبة كبيرة حلت على عمي رجب، لقد احترق المسرح بنار ولاعة قديمة، لا يمكن أن تكون تلك القطة الغشيمة، هل يمكن أن تكون دمية قديمة أرادت أن تنتقم؟

بالتأكيد هو ذلك الأراجوز، عاد لينتقم من عمي رجب، سأل النار أن تلسع ذكرياته، وتحرق أكل عيشه، هل الأمر عن قصد؟، هو بالطبع الحسد.

لذا طلب عمي رجب من المبخراتي أن يبخر المسرح المحروق من العيون ومن ألسنة الناس التي أتت بأسنان اللهب، نحس ثم نحس ياللبأس يا عمي رجب.

وقال المبخراتي: فاسوخ!، عايزين فاسوخ!

يفسخ العقد، ويُذهب الحسد.

ومين عمل كده؟، عندك عدويين والعياذ بالله يا عمي رجب؟

أعداء!، كيف له أعداء، وهو يحب ابنه الأراجوز، يميزه ويحضرهُ لنجومية أكبر من هذا الحي، يريده أن يأكل الفول والقصب كل يوم، يتغذى جيداً، حتى يصبح قوياً أمام الدنيا المليئة بالناس والأشرار.

وأين هو الأراجوز الآن؟

لقد راح وراء أهوائه، لقد كان أنانياً، فكر في نفسه فقط، لكن هل معه حق أن يذهب ليحصل على عمل جديد غير شغل عالم العرائس، ربما عمل محترم يحترم المواهب، ويأتي بالمكاسب، وهل حصد الأراجوز تعب جبينه؟، ونعم بالنعيم الذي يريده؟

سمع الأراجوز عن صياد اسمه شاكر يحتاج إلى أحدٍ ينادي على الأسماك، يغني لها موالاً لتخرج، وأراد في البداية أن يُحضر لها مغنياً شعبياً، لتُطرب، وتدوخ أو تسرح، فيضعها في الشباك، وينهي لأنفاسها الارتباك.

فطلب من الأراجوز أن يقترح غنوة تجعل الأسماك لا تتردد في اللجوء لشباك الصيد، فكان الاقتراح.

الأراجوز: ما بلاش اللون ده معانا، عارف الأغنية دي؟

شاكر: ما بلاش اللون ده معانا..  وإلا احنا عشان بنحبك… تشتري وتبيع في هوانا.

الأراجوز: هتلون ليه ويانا… بطل حركاتك ديا…

امبارح كنت معانا… سكر في حلاوة طحنية.

شاكر: عارفها، بتاعت أحمد عدوية!

بس أنا عايزك يا أراجوز تكسب ألب السمك.

تكلم شاكر عن كسب القلوب، والأراجوز هو الأجدر في فعل ذلك، فيزيد في حركاته البهلوانية،  ويرصد للكلام الأراجوزي أفضل أفعوانية، يشقلب كلامه ويبدل حواره.

فتكون حروفه جذابة، براقة، رنانة، طنانة، وبعد كل ذلك ستصير السمكة فريسة سهلة، ويرخى تفكيرها، وتصبح أكبر عبيطة، يقودها كلام الأراجوز المعسول، وستنقاد لأنه أتى من المجهول، وببساطة يعرف ما يقول.

وفرح شاكر لأن الرزق واسع اليوم بفضل الله ومن ثم بفضل الأراجوز، لقد سمعت السمكات منه حديثاً شيقاً، وسعدت بطرطور الرأس الذي يلبسه، ملابسه مضحكة، لكن فكرهُ هذا عبارة عن مدرسة.

قال له شاكر، ممتنٌ وشاكر.

شاكر: هديك شغل، وتديني البخت يا أراجوز.

الأراجوز: البخت في التخت، ممعيش حظ يا عم شاكر.

من يملك الحظ إذاً؟

الأراجوز: إلي بيعجن العيش؟، مش عارف.

من ينكر أن الخباز محظوظ أو الحلواني الذي كثيراً ما يفي بالوعود، فهو موجود في كل مكان، ويصطف حوله الناس في المولد أو في وقت العيد، فيحضرُ هو للناس حلاوة الحياة في قطع محلى صغيرة، كلها سكر، وكلها حلاوة.

وكم يشتاق الأراجوز للبقلاوة.

لكنه يفضل القصب المعصور.

يتذكر أن البقلاوة لا تظهر في شقة عمي رجب، إلا بعد أن يجني الأراجوز الكثير من المال،   ويذهب كل ذلك المال أسفل سرير عمي رجب، فالبخت في التخت يا عم شاكر، لأن عمي رجب يضع الفلوس هناك، ويقفل فانوس الأحلام في عقله، ويطلب من أقرب ناموس أن يقرصه أو يذهب ليقرص الأراجوز حتى يفيق من حلمه ذاك، وهل استفاق؟، من يدري!؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z