سُلطان بن خلفان اليحيائي
ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها العسكرية، بل بما تكشفه من ارتباك في القرار، وتخبّط في الهدف، وتناقض في الخطاب. فالحرب حين تبدأ بعنوان واضح، ثم تتبدّل عناوينها في زمن قصير، تفقد معناها قبل أن تفقد ميدانها. وهذا ما يطفو اليوم في النموذج الأمريكي.
في علم السياسة، تقوم الحروب على ثلاثة أركان: هدف مُعلن، أدوات منضبطة، وخطاب متماسك، فإذا اختل أحدها اهتز البناء وإذا اختلّت جميعًا فليست سياسة.. بل فوضى مُدارة.
بدأت الولايات المتحدة، ومعها الكيان الصهيوني، حرب قاسية على إيران، بعمليات اغتيال مباشرة طالت الرمز الروحي وقادة الصف الأول والعلماء، وكان الهدف واضحًا: إسقاط النظام. لكن بعد أسابيع قليلة، تغيّر العنوان فجأة إلى "تحرير مضيق هرمز"!
هنا لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل: هل كان هناك هدف أصلًا؟
الدول لا تقفز من إسقاط نظام سياسي إلى هدف جغرافي بحري إلا إذا عجزت عن تحقيق الأول، وهذا التحوّل ليس تكتيكًا.. بل اعتراف مُقنّع بالفشل.
في مشهد يفيض بالمفارقة، يقف الرئيس الأمريكي أمام الكاميرات، يتحدث عن "نصر تحقق" و"عدو انتهى" و"قوة سُحقت في أسبوع". كلمات كبيرة.. بلا ظل على الأرض.
هذا ليس خطاب دولة تُدير حربًا، بل خطاب منصة تبحث عن تصفيق. رئيس لم يجمع بين جملتين متّسقتين دون تناقض، ويطلب في الوقت ذاته من خصمه التواصل للتفاوض.. أي منطق هذا؟
في المقابل، يظهر الجانب الإيراني بخطاب أقل ضوضاء وأكثر تماسكًا: تصريحات محسوبة، ورسائل واضحة: الرد قائم، والقدرة لم تُكسر، والمعركة لم تُحسم. وهنا يتجلّى الفرق بين من يُدير الحرب بعقل الدولة… ومن يُديرها بعقل الكاميرا.
حينما تهتز "تل الربيع"
ولعل أخطر ما في هذه المواجهة ليس حجم الدمار، بل الضربة النفسية للعدو الصهيوني في عمق كيانه. حين يعترف بوصول الصواريخ إلى قلب "تل أبيب" - أو بالأحرى تل الربيع - فإننا أمام تحوّل يتجاوز حدود الميدان.
الاعتراف ليس تفصيلًا، بل كسر صورة "العمق الآمن". وحين تسقط هذه الفكرة، يتزعزع وعي المجتمع الصهيوني، ويبدأ القلق بالتسلّل إلى المستوطن قبل الجندي. ليست صواريخ فقط.. بل سقوط نظرية الردع. المباني تُعاد، لكن الخوف إذا دخل القلوب… لا يُنتزع.
سؤال لا يُؤجَّل
لماذا لا يفرح قلب المؤمن وهو يرى قصاص يتشكّل بعد دماء سالت في غزّة، وبعد قادة ارتقوا دفاعًا عن الكرامة؟ أم أنّ غشاوة من الخزعبلات المتوارثة غطّت الأبصار حتى صرنا نرى الحدث.. ولا نُبصر معناه؟
ليست قضية اصطفاف سياسي، بل قضية وعي. فالقصاص حين يقع على المعتدي، موضع اعتبار لا اضطراب. لكن حين يخفت هذا الإحساس، فالخلل أعمق… خلل في القلب قبل العقل.
﴿إنا جعلنا على قلوبهم أكِنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا ۖ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذًا أبدًا﴾
والانتقال من "إسقاط النظام" إلى "تحرير مضيق هرمز" ليس تبديلًا في الأولويات، بل دليل على ضياع الوجهة. الدولة التي تعرف ماذا تريد، لا تُبدّل أهدافها بهذه السرعة، ولا تفاوض من موقع مرتبك.
وأخطر ما في الأمر، أن التخبط لا ينعكس على الميدان فقط، بل على صورة الدولة نفسها. حين يفقد الخطاب مصداقيته، يفقد الحلفاء ثقتهم، ويتجرّأ الخصوم أكثر.
وأخيرا، ليست المشكلة أن تُهزم في جولة.. بل أن تُكابر على هزيمتك وتُجمّلها بالكلام. وليست الفضيحة في فشل الخطة.. بل في التخبّط بين الأهداف وكأنك لم تكن تملك خطة أصلًا. فما جرى ليس استعراض قوة بل انكشاف عجز، وليس إدارة حرب بل ارتجال يترنّح تحت ضغط الواقع، فمن عجز عن إسقاط نظام.. لن يحرّر بحرًا، ومن فقد صدقه سيسقط ولو امتلك ألف سلاح.
ويا أهل الخليج، جرّبتم الحروب ودفعتم ثمنها، بينما غيركم حصد الأرباح، واليوم تُعاد اللعبة بعناوين جديدة. يتشكّل وعي يقول: هذه ليست حربنا… ومع ذلك تُدفع أصوات لتزييفه، لتخويفكم من الجار وتطمينكم لمن لا يحمي إلا مصالحه.
الخطر ليس في الصواريخ.. بل فيمن يُعيد توجيه العداء. يهوّنون من جريمة الاحتلال، ويضخّمون ما سواه، وكأن المطلوب تحويل المسار.. لا إنهاء الصراع. احفظوا أوطانكم من معركة لا قرار لكم فيها.. ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أن الوقوف في صف الفتنة حياد.
