الهولوكوست الألماني ضد المواطنين الألمان والهولوكوست الصهيوني في غزة

د. عبدالله الأشعل

يفصل بين الاثنين أكثر من 80 عامًا، فالأول حدث عام 1939، والثاني حدث ولا يزال يحدث منذ 2023. الأول قامت به الحكومة الألمانية، وقيل يومها إن المواطنين الألمان اليهود الذين قدموا إلى المحرقة كانوا جواسيس للحلفاء ضد ألمانيا. أما ضحايا الثاني فهم فلسطينيون استولت إسرائيل بالخديعة والقوة على أرضهم واستعبدتهم، ورفضت أن يقيم صاحب البيت بجانب اللص في بيته. وتواطأ هتلر مع الصهاينة والأمريكيين، رعاة الصهاينة، وخالف الدستور الألماني، وطرد الصهاينة الألمان وهجَّرهم لإنشاء إسرائيل، علمًا بأن الفلسطينيين ليس لهم علاقة بالجرائم التي ارتكبها هتلر مع مواطنيه.

والطريف أنه بدلًا من أن يقدم هتلر تعويضات عن تعذيب مواطنيه، قدم التعويضات إلى إسرائيل، وهذا له تفسير واحد، وهو أن إسرائيل ليست الطرف المضرور، وأن الضحايا لم يكونوا رعايا لإسرائيل، والغالب أن ألمانيا قدمت رشوة لإسرائيل حتى لا تفضح هتلر، ولم تأتِ حكومة تجرؤ على قول الحقيقة. وتنوعت الرشوة عبر السنين، ولم يجرؤ برلمان في ألمانيا على أن يحاسب الحكومة ويناقش هذه الرشوة، ولم تقتصر الرشوة على المال، وإنما بالسلاح والمشاركة الفعلية في عملية إبادة غزة، حتى إن نيكاراغوا قدمت عريضة اتهام ضد ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية، فأصبحت إسرائيل مدعى عليها، والمدعي جنوب أفريقيا، كما أن ألمانيا متهمة من جانب نيكاراغوا، ولم تجرؤ أي دولة عربية أو إسلامية على الانضمام إلى جنوب أفريقيا أو نيكاراغوا، وأملي أن تُجرَّ ألمانيا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

إذا كانت إسرائيل حمَّلت ألمانيا مسؤولية تعذيب المواطنين الألمان، فالعادة أن تدفع الحكومة التعويضات إلى المواطنين الألمان، فما صفة إسرائيل حتى تتلقى تعويضات المواطنين الألمان الصهاينة؟

في الإبادة الثانية في غزة، تحالف الغرب مع إسرائيل، ومن بينها ألمانيا وأمريكا، في التنفيذ المباشر أمام وسط عربي وإسلامي يتفرج على المأساة، وفي وسعه إنقاذ غزة من الجرائم الإرهابية.

والغريب أن عددًا كبيرًا من الصهاينة المشاركين في إبادة غزة هم أحفاد الناجين من المحرقة، ضحايا التضليل الصهيوني.

جمعت إسرائيل كثيرًا من الأموال رشوةً من الحكومات الألمانية. وإذا صح أن تعذيب الضمير الألماني من جراء جرائم إبادة هتلر هو الذي دفع ألمانيا إلى دفع هذه التعويضات، فما صفة إسرائيل؟ ثم إن ألمانيا وإسرائيل تواطأتا على نقل أحكام محاكم نورمبرغ في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة إبادة العرق البشري، فكيف نفسر التقارب الحميم بين ألمانيا وإسرائيل؟ أحد عناصر التفسير أن ألمانيا لما هُزمت في الحرب العالمية الثانية واحتلتها القوات الأمريكية، كنت أظن أن ألمانيا تدفع مقابل هزيمتها، ولكن العملية استمرت منذ المحرقة الألمانية.

وتآمرت الأمم المتحدة مع إسرائيل، ومن مظاهر المؤامرة أن اتفاقية منع إبادة العرق البشري أُبرمت عام 1948 بعد قيام إسرائيل، وهي أول دولة انضمت إليها. ولكن المعاهدة نصت على أن المخالفات الجنائية تُنظر أمام محكمة العدل الدولية، وهي محكمة مدنية، لأن القضاء المدني لا يمكن أن ينظر القضايا الجنائية، وتأخر القضاء الجنائي كثيرًا حتى عام 2002، حين نشأت المحكمة الجنائية الدولية، وهي المختصة بالفصل في المسائل الجنائية.

ومن صور التآمر في الأمم المتحدة أن الجمعية العامة قررت تذكير العالم بمحرقة ألمانيا؛ لتعاطف العالم مع هؤلاء الصهاينة، علمًا بأن الهولوكوست في غزة أولى بالتذكير.

من المقبول أن تقوم حكومة وطنية بتعذيب بعض المواطنين، لكن مرتكبي الإبادة الثانية في غزة قادتها إسرائيل التي انقضت على فلسطين، وهدف الإبادة إفراغ فلسطين من أهلها، خلاف الحالة الألمانية.

الدول الأوروبية تواطأت مع ألمانيا، فساعدت إسرائيل على التوحش وامتهان القانون الدولي، وأصدرت تشريعات حظرت دراسة الهولوكوست الألماني، بينما الهولوكوست الصهيوني رفضه شباب الجامعات الأوروبية، والشوارع السياسية في أوروبا، بينما الغرب هو المسؤول عن جمود الدول العربية والإسلامية التي وقفت متفرجة على أعمال إبادة غزة، ولم تجرؤ دولة عربية أو إسلامية على إنقاذ غزة.

ونستطيع أن نقول إن العالم كله تواطأ مع الهولوكوست الألماني ضد مواطني ألمانيا الصهاينة، بينما الشوارع الغربية هي التي انتصرت لإبادة غزة، ثم كان العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، مما ينذر بزوال إسرائيل وأمريكا كدولة عظمى، وانتصار الإسلام وإيران في هذه المعركة التي أفصح وزير الحرب الأمريكي أنها حرب هدفها اقتلاع الإسلام من إيران. ولذلك لا أطالب بموقف متوازن عالمي تجاه نوعي الإبادة، لكن للتاريخ أن الغرب فقد مصداقية شعاراته حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وما دامت فلسطين سوف تتحرر ويزول السرطان الصهيوني، فإن المنطقة مقبلة على تغيير عميق في خرائط المنطقة.

الأكثر قراءة

z