هل توفُّر مصادر الطاقة كان سببًا في إلغاء العبودية؟!

 

أ.د حيدر أحمد اللواتي *

 

قد يندهش القارئ من الربط بين العبودية وتوفُّر مصادر الطاقة، فما علاقة توفُّر مصادر الطاقة بأنظمة العبودية؟ لكن الحقيقة أن العلاقة بينهما وثيقة جدًا كما يراها البعض، وسنحاول في هذه السطور أن نوضح وجهة نظر هؤلاء.

فمن أساسيات العلم التي اكتشفناها في القرون الأخيرة أن أي حركة أو تغيير في هذا العالم لا يحدث بدون استهلاك طاقة، بمعنى آخر، لا توجد حركة بلا مصدر طاقة يغذيها، وقبل الثورة الصناعية كانت الحضارات تعتمد بالكامل تقريبًا على الطاقة الناتجة من استخدام الإنسان أو الحيوان، فلم يكن هناك كهرباء أو انتشار واسع للآلات الميكانيكية، فالإنسان كان هو المحرك الحقيقي لكل عمل، سواء في الزراعة أو البناء أو غيرها من الأعمال الشاقة.

وفي هذا السياق، أصبح وجود قوة عمل بشرية يمكن التحكم بها ضرورة لا غنى عنها لضمان استمرار الإنتاج والتقدم، ومن هنا ظهرت أنظمة العبودية كحل عملي، حيث كانت توفر قوة عمل رخيصة ومتاحة باستمرار، فرغم كل ما فيها من تحديات، شكَّلت هذه الأنظمة العمود الفقري لتحويل الطاقة البشرية إلى طاقة منتجة، ولذلك فلا تكاد تخلو منه المجتمعات البشرية آنذاك، كما كان تكاثر الذكور هدفًا لزيادة مصادر الطاقة البشرية التي تُحوَّل إلى إنتاج، سواء عبر الرعي أو الزراعة أو الصيد، هذا بالطبع إلى جانب الحيوانات والنار والشمس، والتي كانت أدوات مساعدة في توفير طاقة إضافية صديقة للبيئة، لا تسبب أضرارًا تُذكر.

ثم جاء اكتشاف الطاقة الحرارية من حرق الخشب والفحم، التي مكَّنت الإنسان من التنقل لمسافات طويلة دون الاعتماد على الحيوانات أو العبيد لحمل الأثقال، إن هذا التحول كان نقطة البداية لما سُمي بالثورة الصناعية، حيث بدأ الاعتماد على مصادر طاقة ميكانيكية بدلًا من الطاقة الناتجة من استخدام الإنسان والحيوان، ولأن الطاقة البشرية كقوة عمل كانت محدودة بالقدرة البدنية والوقت، فإن الاقتصادات التي تعتمد على العبودية كانت تواجه سقفًا في الإنتاجية والنمو، مما جعل العبودية غير مجدية اقتصاديًا.

بعدها جاء اكتشاف النفط، الذي مثَّل قفزة نوعية في طرق إنتاج الطاقة، فقد بدأ استخدام النفط كمصدر للطاقة منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث حُفر أول بئر نفط صناعي في عام ١٨٥٩م في تيتوسفيل بولاية بنسلفانيا الأمريكية، على يد إد ويندل بول، وفتح هذا الاكتشاف الباب أمام استخدام الطاقة النفطية بشكل واسع، خاصة مع تطور محركات الاحتراق الداخلي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والفارق بين حرق الفحم والخشب وحرق النفط أن الطاقة الناتجة من حرق النفط أعلى بكثير، كما أنها تسبب ضررًا أقل على البيئة مقارنة بالفحم، وكان من نتائج هذه الطفرة التقنية أنها قللت بشكل كبير من الحاجة إلى الطاقة البشرية، بما فيها الحاجة إلى العبيد، فمصادر الطاقة البديلة كالنفط والفحم والخشب أصبحت متوفرة، وتوسعت الميكنة والتقنيات الحديثة، وغدت بديلًا أكثر جدوى من العبودية والرق.

وهنا تكمن المفارقة المثيرة: إذ ترى وجهة النظر هذه بأن الدافع الأساسي لمحاربة العبودية لم يكن البعد الأخلاقي، بل كان التقدم التكنولوجي وتوفر مصادر طاقة بديلة هما المحرك الحقيقي الذي دفع المجتمعات لإعادة النظر في العبودية والرق، وذلك إثر توفر بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وصار من الممكن التخلي عن استغلال البشر كقوة عمل، وهذا كان السبب الحقيقي وراء بروز قضية حقوق الإنسان على السطح، ولهذا فمن الملاحظ أن إلغاء العبودية في بريطانيا وأمريكا تزامن مع انتشار استخدام الآلات البخارية والفحم في الصناعة والزراعة، كما أن المنظمات الدولية نادت بإلغاء العبودية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث اعتمدت عصبة الأمم اتفاقية العبودية عام ١٩٢٦م، ودعت إلى القضاء على العبودية بكافة أشكالها، كما أن الأمم المتحدة، متمثلة في الجمعية العمومية، أصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام ١٩٤٨م، والذي نص صراحة على حرمة العبودية والاتجار بالبشر، مما عزز القوانين الوطنية والدولية التي تحظر هذه الممارسات.

وهكذا نلاحظ أن هذه القوانين والاتفاقيات جاءت في وقت شهد العالم تحولات اقتصادية وتقنية ضخمة قللت الاعتماد على الطاقة البشرية، مما خلق أرضية مناسبة لرفض العبودية كجزء من النظام الاجتماعي والاقتصادي.

وهنا تتفتح أمامنا أسئلة عميقة تستحق التأمل: هل كان التحرر من أسر العبودية ممكنًا لولا التقدم العلمي وتوفر مصادر الطاقة الجديدة؟ هل كانت أنظمة العبودية لتتغير لو ظل الاعتماد قائمًا على الطاقة البشرية فقط؟ وهل المجتمعات التي نشأت بعد الثورة الصناعية أكثر تمسكًا بالقيم الأخلاقية مقارنة بتلك التي سبقتها، أم أن هذه القيم لم تكن سوى انعكاس لتغير الظروف الاقتصادية وغياب الحاجة إلى نظم العبودية؟

إذا صحت هذه النظرة، فإن التطور العلمي والتكنولوجي لم يكن مجرد رحلة نحو رفاهية الإنسان، بل كان بمثابة إعادة تشكيل خفية للقيم الأخلاقية والاجتماعية التي تحكمنا، وكأن تقدم الطاقة فتح أبوابًا جديدة للفكر والإنسانية، فجعلته يعيد النظر في نظم اجتماعية وأخلاقية ظلت مهيمنة عليه لحقب زمنية طويلة.

 

*كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

 

الأكثر قراءة

z