د. ناصر الطائي*
◄ صوت قعبور عبر الحدود وسكن في القلوب الباحثة عن معاني الصمود
◄ "أناديكم" تجاوزت كونها قصيدة لتصبح نداءً يتردد في كل زمان
◄ الموسيقى عند قعبور كانت حياةً يومية لا يمكن الاستغناء عنها
◄ موسيقى قعبور وقودٌ للثبات والحفاظ على الكرامة ضد الانكسار
برحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور، لا نودّع مجرد فنان، بل صوتًا كان يسكن فينا أكثر مما كنا نسمعه، صوتٌ خرج من بيروت، لكنه لم يبقَ فيها؛ عبر الحدود وتسلّل إلى الأزقة، إلى المخيمات، إلى القلوب التي كانت تبحث عن معنى للصمود في زمن الانكسار.
منذ سبعينيات القرن الماضي، شقّ قعبور لنفسه دربًا لا يشبه أحدًا؛ لم يكن كمارسيل خليفة في عمق التركيب الموسيقي والهارموني، ولا كزياد رحباني في سخرية المسرح اللاذعة والمصحوبة بموسيقى الجاز، ولا كفيروز الشامخة بعبق لبنان الكرامة، بل كان أقرب إلى نبض الأرض نفسها: بسيطًا، صريحًا، جارحًا في صدقه، كأن الأغنية عنده ليست صنعة، بل شهادة.
منذ العام 1975، عشية الحرب الأهلية اللبنانية، ظلّ قعبور ينادي… ينادي في فضاءٍ لا يستجيب لأي نداء. اختار ذلك الدور القاسي، أن يكون صوتًا في زمنٍ يتكسّر فيه الصوت تحت دخان البواريد والدمار، وأن يحمل القضايا وهي تتهاوى من حوله. عاش انكسار الصوت، وانكسار الحلم، لكنه لم يتخلَّ عن أمله؛ ظلّ ينفخ في الرماد، لعلّ جمرةً عنيدة لا تزال مشتعلة، لعلّ نارًا صغيرة يمكن أن تعود فتضيء هذا العتم. كان يوجعه يقين اليأس، ذلك اليقين الذي يتسلّل إلى العقل بوضوحٍ قاسٍ، لكنه اختار، وبعنادٍ نادر، أن يكون قلبًا يفكّر. وهذا النوع من القلوب لا يعرف الهزيمة… بل يعرف فقط أن يبقى واقفًا، شامخًا أبيًّا، حتى وهو ينكسر.
في زمن الكاسيت، حين كانت الأغاني تُتداول همسًا، كنا نحمل صوته كما نحمل سرًّا ثمينًا. كما كانت أشرطة الشيخ إمام ومارسيل خليفة تُخبّأ وتُنسخ، كانت أغاني قعبور تُمرّر من يدٍ إلى يد، ومن قلبٍ إلى قلب، وكأنها تعيد تشكيل شبكة خفية من التضامن والاعتقاد. لم تكن تلك الأغاني مجرد ألحان، بل كانت جسورًا، تربط بين من لم يلتقوا، وتجمعهم حول فكرة واحدة: أن الكرامة ليست شعارًا، بل موقفًا يوميًا يُدفع ثمنه، متوغلةً في القلوب وراسخةً في الوجدان مثل شجر الزيتون والأرز الخالد.
وفي قلب هذا العالم، وُلدت "أناديكم" من كلمات توفيق زياد، لكنها سرعان ما تجاوزت كونها قصيدة مغنّاة لتصبح نداءً يتردّد في الزمن. لم تكن الأغنية تبحث عن الجمال بقدر ما كانت تبحث عن الحقيقة؛ آهات آلة الفلوت تنساب كأنها أنفاس الجبال، وخطٌّ لحني بسيط، وإيقاعٌ يتقدّم بثبات، كخطى من لا يتراجع. كانت "أناديكم" أشبه بوعدٍ جماعي: أن نبقى، أن نصمد، أن نرفع الصوت مهما اشتد الصمت من حولنا.
في زمن الانتفاضة، كانت موسيقى قعبور كالملح والخبز، ورائحة الزيتون والأرز. إنها تشير إلى سفوح فلسطين، وتلال الزعتر التي استُشهد فيها "شادي"، وتنفس فيها درويش، وتغزّل فيها كنفاني، ورسم تضاريسها ناجي العلي وسميح القاسم. من هناك خرجت أذرع المقاومة وبُنيت جسور الصمود التي امتدّت لهم أضلعي (جسرًا وطيدًا) كما يُنشد خليل حاوي.
في هذه الكلمات، تتكثّف روح قعبور؛ فالموسيقى عنده لم تكن حلية، بل كانت حياةً يومية، مثل الخبز الذي لا يُستغنى عنه، ومثل الزيتون الذي يختزن ذاكرة الأرض. كانت أغانيه تُشبه البيوت القديمة: بسيطة، لكنها مليئة بالدفء، وبالحكايات التي لا تنتهي. كان صوته يحمل آهات الأمهات، وضحكات الأطفال، وخطوات المقاومين البواسل وهم يمضون نحو المجهول بثباتٍ لا يلين. إنهم من يقهرون "الميركافا" ويمجدون الحرية ويرسمون بدمهم صفحات الصمود.

وإذا كانت "أناديكم" هي النداء، فإن أعماله الأخرى كانت تفاصيل الحياة التي تُحفظ في الذاكرة. في "علّوا البيارق" نلمح بيروت الثمانينيات، مدينةً تتنفس رغم الجراح، حيث يختلط الحنين الطفولي بطقوس الناس، وحيث يخرج الفرح من بين الظلال كضوءٍ عنيد. هناك، في أزقة العاصمة، يغنّي الأطفال، وتحتفظ الذاكرة بنداءاتهم كما تحتفظ المدن بأسمائها القديمة، كأن الأغنية كانت محاولة لانتزاع النور من فم الحرب، ولتذكير الجميع أن الفرح، مهما تأخر، سيجد طريقه.
وفي "جنوبيون"، تتغيّر النبرة، لكنها لا تفقد صدقها. تصبح الأغنية تحيةً إلى الجنوب، إلى أهله الذين حملوا الأرض في أصواتهم، والوجع في صمتهم. كلمات حسن ظاهر تمتزج بلحن قعبور لتصنع جسرًا بين الجغرافيا والإنسان، بين التراب والذاكرة. هنا، لا تكون الأغنية وصفًا، بل شهادةً أخرى: أن الأرض ليست مكانًا فقط، بل حكاية تُروى، وألمٌ يُغنّى، وانتماءٌ مقدس لا ينكسر.
أما في "والله وطلعناهم برا"، فتنبض لحظة التحرير نفسها. ليست مجرد أغنية فرح، بل انفجارٌ وجداني خرج من قلب التاريخ، حين انكسر الاحتلال وخرج من جنوب لبنان عام 2000. هناك، تتداخل السياسة بالإنسان، والحدث بالذاكرة، حين يُروى أن الشهيد رفيق الحريري طلب أغنية تعبّر عن الفرح الوطني بدل الحزن، فجاءت الأغنية كصرخة جماعية، وُلدت في يومها، وعاشت بعده.
ترتبط هذه الأغنية بحكاية لا يتداولها كثيرون. ففي ذروة اللحظة التي عمّ فيها الفرح أرجاء لبنان عقب انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي، بادر الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى الاتصال بالفنان أحمد قعبور، مستفسرًا عمّا إذا كان يشعر ببهجة هذا التحرير. فجاءه الرد بسيطًا وعفويًا: وكيف لا يكون ذلك؟ عندها عبّر الحريري عن فكرة مختلفة، مفادها أن الوقت قد حان ليتحرر الغناء من ذاكرة الحزن، وأن من حق اللبنانيين أن يحتفلوا بانتصارهم، مشيرًا إلى أن صدق قعبور الفني هو الأقدر على تجسيد هذه اللحظة.
لم يكن ذلك الاتصال الليلي مجرد حديث عابر، بل كان نقطة تحوّل أشعلت شرارة الإبداع لدى قعبور. بقي مستيقظًا حتى ساعات الفجر، يعمل على صياغة كلمات ولحن "والله وطلعناهم برا". ومع أول خيوط الصباح، توجّه مباشرةً إلى الاستوديو لتسجيلها، ثم إلى التلفزيون لإنجاز تصويرها بسرعة استثنائية، مدفوعًا بحماسة فريق العمل بأكمله. ولم تمضِ ساعات حتى كانت الأغنية قد وصلت إلى الناس، لتنتشر بسرعة لافتة، وتتحول إلى نشيد يردده الجميع، معبّرةً بصوتٍ واحد عن فرحة التحرير التي عمّت البلاد.
واليوم، في زمنٍ تتكرّر فيه المآسي، من غزة إلى جنوب لبنان إلى العراق وسوريا، تعود هذه الأغاني كلها لتشكّل معًا أرشيفًا حيًّا للكرامة. ليست مجرد ذكريات، بل أدوات بقاء تُستدعى كلما ضاق الأفق، وكلما اشتد الظلم. في مشاهد الدمار، وفي صمود الناس، نسمع صدى قعبور، كأن صوته ما زال يقول: نحن هنا، ولن نغيب.
هكذا كان قعبور… لم يكتب الموسيقى ليُطربنا، بل ليُبقينا واقفين على حافة الكرامة، لا ننكسر. كان صوته وعدًا لا يُنكث، وجرسًا يُوقظ فينا ما حاول العالم أن يُخمده. ومع رحيله، لا يصمت هذا الصوت، بل يشع نورًا، يتكاثر في الحناجر، ويتردّد في الساحات، ويسكن الذاكرة التي تأبى أن تنسى… والتي لا تعرف إلا طريقًا واحدًا، وهو طريق الانتصار والعودة.
قعبور لم يكن مجرد فنان؛ كان نشيدًا يمشي بين الناس، كان وجهًا للصمود حين يتعب الصمود، ويدًا تمسك بالأمل حين يفلت. كان الحب حين يُحاصر، والانتصار حين يبدو مستحيلًا. فارقد بسلام أيها الرفيق، فحصارنا "واحة في عالم يغرق"، وما تركته ليس أغنيات تُستعاد، بل روحٌ تتوارثها الأجيال، ونبضٌ يرسم ملامح زمنٍ لا ينحني… زمن يقاوم، ويحلم، ويؤمن أن الحرية لا تموت.
*باحث ومؤلف في الموسيقى
