إنها حرب إسرائيل

حمد الحضرمي **

لم يعد ممكنًا إخفاء الحقيقة، ولا تجميل المشهد بعبارات دبلوماسية باهتة؛ فهذه الحرب التي تشتعل في منطقتنا ليست حربًا أمريكية كما يُراد لها أن تُصوَّر، بل هي- في جوهرها- حرب إسرائيل، خُطِّط لها في تل أبيب، ودُفعت واشنطن لتكون أداتها التنفيذية وقائدة لها.

لقد راهن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخوض مغامرة عسكرية خاطفة ضد إيران، تقوم على فرضية انهيار سريع للنظام، واشتعال الداخل بثورة تقلب موازين الحكم خلال أيام. كانت حسابات مبنية على الوهم، وعلى قراءة قاصرة لطبيعة الشعوب حين تواجه تهديدًا وجوديًا.

لكن الواقع جاء مغايرًا تمامًا؛ فلم تسقط الدولة، ولم ينكسر الجيش، ولم ينهار الشعب، بل تكشّف مشهد مختلف: صمود، وتماسك، واستعداد لتحمّل كلفة المواجهة. وهنا، بدأ الارتباك يتسلل إلى صُنّاع القرار، وارتفعت أصوات داخل المؤسسة السياسية الأمريكية تُحذّر من الاستمرار في حربٍ لم تحقق أهدافها، بل أضافت مزيدًا من التعقيد والانكشاف.

اليوم، يبدو الرئيس الأمريكي في مأزق حقيقي؛ يسعى للخروج من حربٍ لم تُحسم، ويحاول إعادة صياغة الرواية عبر الحديث عن “إنجازات” تمهّد للعودة إلى طاولة التفاوض. غير أن الطرف الآخر لم يعد يثق في الوعود، بعد تجارب سابقة اختلط فيها الحوار بالقصف، والاتفاقات بالتصعيد، ما رسّخ قناعة بأن السياسة تُدار بمعايير مزدوجة لا يمكن الركون إليها.

وفي خضم هذا التصعيد، لم تبقَ الحرب محصورة بين طرفين، بل أخذت تتسع دائرتها بشكل خطير، مع دخول قوى أخرى على خط المواجهة، الأمر الذي حوّل المنطقة إلى ساحة مفتوحة على احتمالات غير محسوبة.

وكانت دول الخليج في قلب التأثر، تدفع ثمن هذا التصعيد رغم أنها لم تكن طرفًا فيه، فتضرر الاقتصاد، واهتزت منظومات الأمن، وتعرّضت حياة الناس ومقدراتهم لمخاطر جسيمة.

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط نارها المشتعلة، بل الرسالة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها: فرض واقع جديد عنوانه الهيمنة بالقوة، وإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة، والتلويح بأن من لا ينصاع سيُدفع إلى حافة الخطر. إنها محاولة لفرض معادلة تقوم على الإخضاع، لا على التوازن، وعلى الإملاء، لا على الشراكة.

والمؤلم أن بعض الأطراف بدأت تتعامل مع هذا الواقع كأمرٍ مفروض، في حين أن القبول به لا يعني إلا فتح الباب لمزيد من التدخلات، ومزيد من التآكل في القرار السيادي، ومزيد من الأعباء على شعوب المنطقة.

لقد آن الأوان لإدراك الحقيقة كاملة: الاعتماد على الخارج لحماية الاستقرار لم يعد خيارًا مضمونًا، والرهان على تحالفات متقلبة قد يكلّف المنطقة أثمانًا باهظة. وما تعيشه دول الخليج اليوم من ضغوط وتحديات هو نتيجة مباشرة لصراع لم تختره، لكنه فُرض عليها بفعل حسابات الآخرين.

إن المسؤولية اليوم تفرض على الدول الخليجية والدول العربية والإسلامية موقفًا واضحًا، لا لبس فيه، يقوم على رفض استمرار هذه الحرب، والعمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية لوقفها، وإعادة الاعتبار لمنطق الحوار، قبل أن تنزلق المنطقة إلى ما هو أخطر.

فهذه الحرب، بكل وضوح- مهما تغيّرت عناوينها- ليست حرب أمريكا؛ بل حرب إسرائيل، ومن الخطأ القاتل أن يُسمح باستمرارها، فاستمرارها يعني مزيدًا الدمار والفوضى والخسائر في الأرواح والممتلكات، ومزيدًا من التهديد لمستقبل المنطقة بأسرها. والشعوب التي عانت ويلات الحروب تعرف جيدًا أن النار- إنْ اشتعلت- لا تختار ضحاياها، وأن الشرارة، إن تركت، قد تحرق الجميع، والتاريخ لا يرحم المتفرجين.

وعلى الجميع أن يدرك هذه الحقيقة قبل فوات الأوان.

** محامٍ

الأكثر قراءة

z