"قيمة".. فكرة وطن

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

بين الأصل والأثر تمتد حكاية الانتماء، وحين نتحدث عن "المحتوى المحلي"، فنحن لا نسرد أرقامًا جافة في ميزانِ الاقتصاد، بل نكتبُ سيرة وطن يقررُ أن يستثمر في ذاته، وأن يستنطق خيرات أرضه وعقول أبنائه ليكون هو المبتدأ وهو الخبر. وفي غمرة هذا السعي، بزغت "قيمة"؛ تلك المنصة التي لم تكن مجرد تجمع عابر، بل كانت مِحبرًا اجتمع حوله الباحثون والأكاديميون والمختصون، ليصيغوا بوعيهم ملامح هويتنا الإنتاجية.

وحين نطقنا لأول مرة بمصطلح "المحتوى المحلي"، لم نكن نقصد مجرد استبدال مادةٍ بأخرى في موازين التجارة، بل كنا نعلنُ عن ميلادِ وعيٍ جديد يرى في ترابِ الوطنِ مادةً خامًا للإبداع، وفي عقول أبنائه المحرك الأول لكل نماء. ومن رحم هذا الوعي، وفي مثل هذا الوقت من العام الماضي، انبثقت "قيمة"؛ تلك المجموعة النوعية التي ولدت لتكون الحاضنة الجامعة لكل الذين آمنوا بأن المحتوى المحلي هو قلب الاقتصاد النابض، وقرروا أن يمنحوه فكرًا منظمًا وصوتًا مسموعًا.

لقد جاءت "قيمة" لتسدَّ ثغرةً بين النظرية والتطبيق؛ فجمعت تحت سقفها "عقل الأكاديميا" برصانته، و"خبرة المختص" بواقعيته، لتخلق فضاءً حرًا يناقش السياسات، ويحلل التحديات، ويستشرف الفرص. وفي عامها الأول، لم تكن مجرد تجمعٍ عابر، بل كانت "مختبرًا" للأفكار الوطنية، حيث طُرحت على طاولتها أعقد الملفات التي تخص توطين الصناعات والمعارف، سعيًا لترجمة الرؤى الكبرى إلى واقعٍ يلمسه المواطن في الفرص، والوطن في النمو.

واليوم، ونحنُ نحتفي بمرور سنة على هذا الغرس، فإن طموحنا يتجاوز حدود "المجموعة" ليلامس أفق "الكيان المؤسسي" الرصين. إننا لا نريد لـ"قيمة" أن تظل مجرد ملتقىً للنقاش، بل نرجو لها أن تترسخ كمرجعٍ وطنيٍّ يُعوّل عليه في رسم السياسات وتوجيه البوصلة الاقتصادية بمداد الخبرة والبحث العلمي. إن بناء هذا الكيان هو الضمانة الحقيقية لتحويل المحتوى المحلي من مجرد "بنودٍ تعاقدية" أو "أرقامٍ صماء" إلى ثقافة مجتمعية حية، تتغلغل في وجدان الصانع، وعقل المستثمر، ووعي المستهلك.

إننا نستشرف في "قيمة" غدًا تكون فيه هي العقل المدبر الذي يغذي قطاعاتنا بالبيانات والرؤى، وهي المنبر الذي يُعرّف العالم بأن "المحتوى المحلي" في عُمان ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل هو فلسفة سيادة، وقصة كفاحٍ تقودها نخبةٌ آمنت بأن الوطن يُبنى من الداخل، ليشعَّ أثره في الخارج.

سنة مضت، كانت بمثابة وضع "حجر الأساس"، والقادم هو البناء الشامخ الذي ننتظره لتبقى "قيمة" دومًا.. اسمًا على مسمى، وجوهرًا يمنح اقتصادنا هويته التي يستحقها.

ختامًا.. ونحن نرقبُ نضجَ هذه التجربة الفريدة، لا يسعنا إلا أن نرفع كلمات الشكر والامتنان لكل يدٍ آمنت بفكرة "قيمة"، ولكل عقل سكب من خلاصة بحثه وخبرته ليغذي عروق هذا الكيان الفتيّ. شكرًا لأولئك الباحثين والأكاديميين والمختصين الذين لم يكتفوا بالنظر من بعيد، بل انغرسوا في تفاصيل الوطن، محولين "قيمة" من حلم يراود الخيال إلى واقع يفيض بالأثر.

إنَّ شكرنا الحقيقي ليس في كلماتِ المديح، بل في العهد الذي نقطعه بأن تظل "قيمة" هي الصوت الأمين للمحتوى المحلي، والذراع الرصينة التي تسندُ قراراتنا الاقتصادية بروح علمية ووطنية متقدة. سنة مضت كانت هي البداية، والقادمُ هو الأمانة التي نحملها لتظل عُمان دائمًا وأبدًا.. هي المصدر، وهي الوجهة، وهي القيمةُ التي لا تغيب.

الأكثر قراءة

z