مقاعد الانتظار

 

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

ثمَّة برودة لا تقاومها معاطف الصوف، تلك التي تسكن مقاعد المطارات في ساعات الصباح الأولى. قبل ساعات قليلة، كنتُ هناك، أقتسم الصمت مع شخص عزيز، نتبادل نظراتٍ مشحونة بالكلام الذي ترفض الحناجر أن تقوله كاعتدادٍ أخير بالتماسك، يرتفع صوت النداء الأخير للرحيل، فيتحول المقعد الحديدي البارد تحتنا إلى حد فاصل بين زمنين، زمن الطمأنينة الذي يمضي وحقيبته في يده، وزمن الانتظار الذي يلتفت ليعود إلى بيته وحيدًا، غادر هو وبقيت أنا والمقعد، وفي طريق العودة، أدركت أننا لا نترك مقاعد الانتظار في المطارات خلفنا؛ بل إننا بشكل أو بآخر، ننقلها معنا في قلوبنا إلى بيوتنا، وشوارعنا، وأيامنا المقبلة، فالحياة في جوهرها ليست سوى مقعد انتظار كبير، نرتجف فوقه بانتظار أشياء قد تأتي، وأشياء قد لا تأتي أبدًا.

إنَّ أشد أنواع العيش ضراوة هو أن تكون مُعلَّقًا "بين موعديْن"، موعد مضى تلتفت إليه بحنين، وموعد آتٍ تتلهف إليه بروحك. هذا التمزُّق الوجداني ليس حِكرًا على من ودَّعوا مسافرًا في محطة، بل هو طقس يومي يمارسه الملايين في مجتمعنا على مقاعد مختلفة، خُطّت على أسفلتها حكايات من الصبر والرجاء.

انظر حولك، وتأمل تلك المقاعد الافتراضية التي يجلس عليها شبابنا اليوم؛ أولئك الذين علقوا قناديل أحلامهم بانتظار "فرصة" أو "وظيفة"، تراهم يرمقون شاشات هواتفهم كل صباح، يفتشون في صندوق البريد الوارد عن رسالة قبول تعيد صياغة شتاتهم، أو اتصال ينهي زمن الركود ويبدأ معه ربيع العمر، أولئك الجالسون على المقاعد، يبتسمون للمجتمع نهارًا، ويقتاتون على قلقهم ليلًا، متسائلين متى يحين دورنا في صعود قطار الحياة المهنية؟

وعلى مقربة من هذا القلق، تُنصب مقاعد أخرى أكثر شجنًا؛ مقاعد المستشفيات البيضاء الباردة هناك؛ حيث يجلس أبٌ يفرُك كفيه بالدعاء، أو أُمٌ تلتصق عيناها بباب غرفة العمليات في تلك الممرات، لا يقاس الوقت بالساعات؛ بل بنبضات القلوب الوجلة بانتظار كلمة "شفاء"، كلمة واحدة من فم طبيب كافية بأن تقلب شتاء أولئك المنتظرين إلى حقول من الياسمين، أو تجعلهم متسمّرين على تلك المقاعد إلى أجل غير مسمى.

ولا ننسى مقاعد الغياب؛ تلك الزاوية المعتمة في قلب كل شخص ينتظر رسالة من غائب، أو التفاتة من حبيب أدار ظهره للميناء ومضى، يصبح الهاتف في كف المنتظر كجمرة تشتعل، ويمسي ليله طويلا ومثقلا بالظنون، يتساءل المنتظرون في عتمة البيوت هل تذكرونا كما نذكرهم؟ أم أن قطاراتهم مضت ولم تترك لنا سوى غبار الذكريات؟

في نهاية المطاف، ندرك أن مقاعد الانتظار لا تُصنع من خشب أو حديد، بل تصنع من قلقنا، ومن فرط تمسكنا بالحياة. نحن مجتمع يعيش في تلك المسافة الحرجة الفاصلة بين دقات الساعة ودقات القلب، ورغم قسوة الرصيف وطول الترقب، يبقى الانتظار هو الضريبة الفاخرة التي تدفعها الأرواح العظيمة؛ لأنها وحدها التي تملك من الأمل ما يكفي للإيمان بأن ثمة غدًا يستحق العناء.

سلامٌ على الذين ما زالوا يرتصفون على أرصفة الصبر، أولئك الذين انحنت كواهلهم فوق مقاعد الترقب، لكن قلوبهم بقيت واقفة، شامخة، لا تنحني، ولا تيأس، بانتظار لقمة فرح أو تلويحة وصول تعيد ترتيب هذا الوجود.

 

الأكثر قراءة

z