عُمان في قلوب أبنائها.. وطن لا تهزه التهديدات

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

لم تمرّ التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تضمنت تهديدًا صريحًا لعُمان، مرورًا عاديًا في الشارع العُماني، بل قوبلت بموجة واسعة من الرفض والاستياء بين المواطنين، واشتعلت منصات التواصل بردود أفعال من أبناء دول المجلس، وحتى من الأمريكيين الذين رأوا أن تصريحات ترامب فيها إساءة لدولة عُرفت عبر تاريخها الطويل بالحكمة والاعتدال واحترام الجميع.

وقد أثار هذا التصريح استهجانًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، وردود أفعال واسعة، كونه يُعد من التصريحات النادرة التي تصدر فيها تهديدات مباشرة من قيادة أمريكية تجاه دولة خليجية حليفة، بسبب ملف يرتبط بمضيق هرمز وتعقيداته الجيوسياسية.

وفي المجالس العُمانية ومنصات التواصل الاجتماعي، عبّر الكثير من المواطنين عن اعتزازهم بنهج بلادهم السياسي، مؤكدين أن سلطنة عُمان لم تكن يومًا دولة تبحث عن الصراعات أو التصعيد، بل كانت دائمًا صوتًا للعقل والحوار والسلام، وهو ما جعلها تحظى باحترام العالم طوال العقود الماضية.

العُمانيون الذين تربوا على قيم الحكمة والكرامة والسيادة، يدركون جيدًا أن قوة بلادهم لم تُبنَ على الضجيج أو الخطابات الحادة، بل على الثبات والاتزان وحسن إدارة العلاقات الدولية. ولهذا جاءت ردود الفعل الشعبية رافضة لأي لغة تهديد أو إساءة، ومؤكدة أن عُمان أكبر من أن تُستفز بخطاب انفعالي أو تصريحات عابرة.

ولعل ما يميز السياسة العُمانية أنها استطاعت أن تبني جسورًا من الثقة مع مختلف دول العالم، حتى أصبحت السلطنة تحظى بمكانة خاصة باعتبارها دولة سلام وتوازن، ودولةً قادرة على التقريب بين الأطراف في أصعب الظروف السياسية.

ومن المفارقات التي أعاد كثير من العُمانيين التذكير بها، وقد يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية قد أصابها الزهايمر المبكر، أن سلطنة عُمان التي يهددها ترامب كانت أول دولة عربية ترسل مبعوثًا رسميًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عندما أرسل السلطان العُماني السيد سعيد بن سلطان مبعوثه الشيخ أحمد بن النعمان الكعبي عام 1840م على متن السفينة العُمانية "سلطانة" إلى نيويورك، حاملًا رسالة سلام وصداقة إلى الرئيس الأمريكي مارتن فان بيورين.

لقد كانت تلك الرحلة حدثًا تاريخيًا مهمًا، لم تعكس فقط الحضور البحري والتجاري لعُمان، بل كشفت أيضًا عن رؤية سياسية بعيدة المدى لدولة آمنت مبكرًا بأهمية بناء العلاقات الدولية القائمة على الاحترام والتعاون.

ولهذا يرى كثير من المواطنين أن العلاقات العُمانية الأمريكية أعمق من أن تتأثر بتصريحات غير مسؤولة أو مواقف انفعالية تصدر من هنا أو هناك، فهذه العلاقات تمتد لأكثر من قرنين من الزمن، وشهدت مراحل طويلة من التعاون والاحترام المتبادل.

ويبدو لنا أن السيد ترامب وإدارته الحالية تناسيا الدور الإيجابي للدبلوماسية العُمانية التي ساهمت، في أكثر من مناسبة، في الإفراج عن محتجزين أمريكيين في إيران واليمن. وكان على السيد ترامب، الذي ظهر مرتبكًا في تصريحاته منذ اندلاع الحرب العبثية الأمريكية الصهيونية على إيران، واتسمت تصريحاته بكثير من التناقضات، أن يتذكر قبل إطلاق تصريحه الأخير تجاه عُمان أن الشعب الأمريكي نفسه يعرف عُمان جيدًا، ويعرف دورها الإيجابي في المنطقة، ويقدّر سياستها المتزنة التي جنبت المنطقة الكثير من الأزمات، وجعلت من السلطنة نموذجًا للدولة التي تنحاز للحوار بدلًا من التصعيد.

ونحن كمواطنين نرى أن أي حديث عن التهديد أو استهداف بلادنا لا يزيدنا إلا تمسكًا بوطنيتنا، فالعُماني بطبيعته يعتز بأرضه وتاريخه وسيادته، ويؤمن أن الاحترام لا يتعارض مع القوة، وأن الحكمة ليست ضعفًا؛ بل إحدى أعظم صور القوة السياسية.

لقد أثبتت سلطنة عُمان عبر العقود الماضية أنها دولة تعرف كيف تدير علاقاتها الدولية بعقل الدولة الحكيمة، لا بردود الأفعال المؤقتة، ولهذا بقيت محل تقدير واحترام في مختلف المحافل الدولية.

وعندما يتحدث العُمانيون اليوم بفخر عن بلادهم، فإنهم لا يتحدثون فقط عن وطن يمتلك تاريخًا عريقًا، بل عن مدرسة سياسية صنعت لنفسها مكانة فريدة في العالم، تقوم على السلام والسيادة والاحترام المتبادل.

ولهذا ستظل عُمان، في نظر أبنائها قبل العالم، وطنًا شامخًا لا تهزه التهديدات، ولا تغير مساره التصريحات العابرة، لأنها دولة تأسست على الحكمة، وسارت عبر تاريخها بثقة الكبار.

ولعل ما يدركه الأمريكيون -حكومةً وشعبًا- أن سلطنة عُمان ليست مجرد دولة تربطها علاقات دبلوماسية تقليدية مع الولايات المتحدة؛ بل شريك سياسي يحظى باحترام كبير بسبب نهجها المتزن ودورها الحكيم في تقريب وجهات النظر واحتواء الأزمات. فعلى مدى العقود الماضية، لعبت الدبلوماسية العُمانية أدوار وساطة ناجحة في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستطاعت أن تبني جسور الثقة مع مختلف الأطراف، حتى أصبحت مسقط عاصمة للحوار الهادئ والدبلوماسية الرصينة.

لقد أثبتت سلطنة عُمان أن السياسة الحكيمة قادرة على تحقيق ما تعجز عنه لغة التصعيد والتهديد، وهو ما جعل كثيرًا من القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تنظر إلى عُمان باعتبارها صوتًا للعقل والتوازن في منطقة تعج بالتوترات. ولهذا فإن الأمريكيين يعرفون جيدًا قيمة الدور العُماني في دعم الاستقرار الإقليمي، ويدركون أن السلطنة كانت دائمًا منحازة للسلام، وساعية إلى تقريب المسافات بين الخصوم.

الأكثر قراءة

z