حمد الحضرمي **
في زمنٍ تختلط فيه المواقف وتضيع فيه المعايير، تبرز بعض الحروب لتكشف الحقائق عارية بلا رتوش. ومن بين تلك الوقائع، تقف الحرب التي شُنّت على إيران نموذجًا صارخًا لصراعٍ تجاوز حدود الشرعية الدولية، وخرج عن إطار القوانين التي يفترض أن تحكم العالم. فحين تُدار الحروب دون غطاء قانوني، ودون حتى موافقة مؤسسات دستورية داخل الدولة نفسها، كما هو الحال في تجاوز موافقة الكونغرس الأمريكي، فإننا لا نكون أمام حربٍ نظامية، بل أمام سابقة خطيرة تهدد استقرار النظام الدولي بأسره.
لقد راهن صُنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب على سيناريو سريع: ضربة خاطفة تُسقط النظام، وتفكك مؤسسات الدولة. بل وذهب البعض إلى الاعتقاد بأن غياب القيادة، بعد استهداف شخصيات بارزة مثل علي خامنئي وعلي لاريجاني، سيُحدث فراغًا قاتلًا، ويقوم الشعب بثورة شعبية ضد النظام، وينتهي المشهد في إيران في أيام معدودة.
لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا؛ فقد أثبتت إيران، قيادةً وشعبًا ومؤسسات، أن الدول لا تُقاس بأفراد مهما علت مكانتهم؛ بل بمنظومة متكاملة قادرة على الاستمرار. تم اختيار قيادة بديلة، واستمر العمل السياسي والعسكري بوتيرة أكثر تماسكًا، وظهرت طبقات جديدة من القيادات، وكأن الدولة كانت مهيأة لكل الاحتمالات. أما الشعب الإيراني، فقد قدّم نموذجًا في الصمود، حين التفّ حول وطنه في وجه ما اعتبره عدوانًا خارجيًا غادرًا، وقع في لحظة كانت تُدار فيها محادثات سلام.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي لعبارة: "العين بالعين".
فلم يكن الرد الإيراني مجرد ردٍ عابر، بل جاء محسوبًا وقويًا، حاملًا رسالة واضحة مفادها أن من يبدأ العدوان لا يملك حق تحديد نهايته. الرد الذي استهدف مراكز حساسة، وأحدث صدمة في الداخل الإسرائيلي، لم يكن فقط عسكريًا، بل نفسيًا واستراتيجيًا، أعاد رسم معادلات الردع في المنطقة.
ويكفي أن نشير إلى أن حسابات الردع هذه دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة النظر في توسيع نطاق الهجمات، خصوصًا تلك التي كانت تستهدف منشآت الطاقة، إدراكًا بأن الرد المقابل قد يكون مكلفًا إلى حدٍ لا يمكن تحمله.
إن الدرس الأهم في هذه المواجهة لا يقتصر على طرف دون آخر، بل يمتد إلى كل دولة في هذا العالم: الدول التي لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها، تتحول إلى أهداف سهلة. والأوطان التي لا يُضحي أبناؤها من أجلها، تفقد هيبتها ومكانتها.
القوة ليست خيارًا للعدوان، بل ضرورة للبقاء. والردع ليس ترفًا، بل صمام أمان.
إن الوطن الذي يُبنى بالإرادة، ويُحمى بالتضحيات، لا يسقط مهما اشتدت عليه العواصف. وطنٌ يدافع عنه أبناؤه بالروح والنفس، لا يمكن أن يكون لقمة سائغة، بل يتحول إلى كيانٍ عزيزٍ شامخ، ترفرف رايته عاليًا، ويُحسب له ألف حساب.
وفي نهاية المطاف، تبقى القاعدة التي لا تتغير: من يبدأ الظلم، عليه أن يتحمل عواقبه؛ فالبادي أظلم، والعين بالعين.
** محامٍ
