المصريون وآل البيت

 

 

 

صالح البلوشي

 

 

في طريقنا إلى زيارة مقام الإمام الحسين في الحي الشعبي الشهير الذي يحمل اسمه بالقاهرة، دار بيني وبين الصحفي المصري أحمد جمعة حديث عن خصوصية مصر التي تحتضن تنوعًا دينيًا وثقافيًا فريدًا؛ إذ تتجاور على أرضها الثقافات الإسلامية والمسيحية، إلى جانب إرثها الحضاري الفرعوني العريق.

وكان مما قُلته إنَّ مصر كانت ملاذًا لأهل البيت الذين لجؤوا إليها هربًا من الاضطهاد الأموي، ثم شهدت حكم الفاطميين لقرون، ومنها انطلقت الدعوة النزارية عبر الحسن الصباح، كما امتدت الفاطمية المستعلية إلى الهند واليمن، قبل أن تعود إلى مصر عبر التجار البُهرة، الذين يلحظهم أي زائر لحي الحسين وشارع المعز لدين الله الفاطمي.

في مصر، يعشق الناس أهل البيت؛ يزورون مقاماتهم، ويلجؤون إليها في أفراحهم وأتراحهم، وحدّثني أحد الأصدقاء المصريين -ونحن في طريقنا إلى زيارة مقامَي السيدة زينب والسيدة نفيسة- رضي الله عنهما- عن تعلُّقه العميق بهذه الأماكن؛ حيث يجد فيها السكينة والطمأنينة، وقال إنه كلما ضاقت به الدنيا لجأ إليها، يقرأ القرآن ويدعو، فتُفتح له أبواب الأمل من جديد.

ولا يُختزل الدين في مصر في الشعائر التعبُّدية فحسب؛ بل يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية؛ في حلقات الذكر، وأصوات المنشدين، ومواسم الموالِد التي تتحول إلى فضاءات للفرح الروحي، حيث يتداخل التصوف مع الوجدان الشعبي، وتتجذر محبة أهل البيت بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية، دون أن تنزلق إلى تعصب مذهبي أو غلوّ عقدي.

ومن يقرأ التاريخ الديني لمصر يُدرك أن التصوف بطرقه المختلفة، شكّل أحد أبرز ملامح التدين عبر قرون طويلة، وأنه لم يكن تيارًا روحيًا معزولًا، بل كان نمطًا أخلاقيًا قريبًا من الناس.. فالطرق الصوفية مثل الشاذلية والرفاعية والأحمدية والقادرية، لم تقدّم نفسها بديلًا عن المذاهب الفقهية؛ بل امتدادًا لها في بعدها التربوي والروحي، ولذلك ظل التصوف في مصر مرتبطًا بالاعتدال، بعيدًا عن التعقيد والانغلاق، ومنفتحًا على حياة الناس.

ويحتفي المصريون بآل البيت في مناسبات متعددة، في موالدهم وذكراهم؛ إذ يزورون مقاماتهم ويستحضرون سيرتهم بوصفهم رموزًا للطهر والصبر، في تعبير صادق عن التقدير الروحي والانتماء الوجداني، ولذلك نجد أنهم قدّموا أعمالًا أدبية رفيعة في سيرة أهل البيت تكاد تكون من الأبرز في المكتبة العربية.

ومن هذه الأعمال ما كتبته الدكتورة بنت الشاطئ عن سيرة نساء أهل البيت، في كتابها "تراجم سيدات بيت النبوة"، ولا يزال كتابها "السيدة زينب عقيلة بني هاشم" له تأثير وحضور قوي في نفسي، خاصة في تناولها لدور السيدة زينب في واقعة كربلاء، حين تصفها بأنها "التي جعلت من مصرع أخيها الشهيد مأساة خالدة، وصيّرت من يوم مقتله مأتمًا سنويًا للأحزان والآلام".

كما تبرز أعمال خالد محمد خالد، ومنها "أبناء الرسول في كربلاء"، وأعمال عبد الرحمن الشرقاوي "الإمام الحسين شهيدًا" و"الإمام الحسين ثائرًا"، إلى جانب كتاب "عليّ وبنوه" للدكتور طه حسين، فضلًا عن إسهامات عبد الحميد جودة السحار، وعباس محمود العقاد، وحامد حفني داود، وغيرهم ممن أغنوا المكتبة العربية بأعمال خالدة في سيرة آل البيت.

ومن جهة أخرى، أسهم التصوف في ترسيخ هذا التوازن عبر خطاب ديني يقوم على التسامح واللين ويبتعد عن الحدة والقطيعة، فالتدين الصوفي يميل إلى تهذيب النفس وتزكية الأخلاق أكثر من انشغاله بالجدل والصراع، مما جعله عاملًا مهمًا في مواجهة موجات التشدد.

إنَّ النموذج المصري في التدين يقدم صورة جديرة بالتأمل؛ نموذج يجمع بين الالتزام العقدي والفقهي والانفتاح الروحي ومحبةٍ لا تتحول إلى تحزّب أيديولوجي، بما يجعله صيغة توازن نادرة.

في الختام.. فإنَّ عشق المصريين لأهل البيت ليس وليد اليوم أو الأمس، ولا نتاج ظروف سياسية أو انتماءات أيديولوجية؛ بل هو امتداد تاريخي منذ دخول الإسلام إلى مصر، وقد تعزّز مع قدوم السيدة زينب ووفاتها فيها- بحسب بعض الروايات- وكذلك السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور، المعروفة بـ"نفيسة العلم".. وبين التصوُّف ومحبة أهل البيت، يُعبِّر المصريون عن دينٍ يُعاش بالقلب قبل أن يُجادَل بالعقل.

الأكثر قراءة

z