صالح البلوشي
قبل عام تقريبا، أهداني المفكر البحريني الدكتور نادر كاظم كتابه الذي كان صدر حديثًا بعنوان "ساعات ديكارت رديئة الصنع.. لماذا نمرض؟"، ويتحدث فيه عن تجربة بعض المفكرين والأدباء مع المرض، طارحا سؤالا رئيسيا وهو: إلى أي حد يغيرنا المرض؟
تذكرت هذا الكتاب خلال الأسبوع الأول من العملية الجراحية التي أجريتها في الثامن عشر من أبريل بمستشفى النهضة، وتحدثت عنها في مقال سابق بعنوان: "أُصبت في عيني.. وهذا ما حدث بمستشفى النهضة".
وفي هذا المقال أنا لا أقدم نفسي على أني أديب أو مفكر ولا أزعم الوصول إلى مرتبة هؤلاء العظماء، إنما أكتب تأملات شخص يعشق القراءة والعمل وفجأة استوقفته هذه الوعكة ليعيد اكتشاف نفسه.
في ذلك الوقت، كنت أعيش في حالة عزلة كاملة بالبيت، لا زيارات ولا قراءة الكتب وغير مسموح بالخروج ولا حتى الرد على الأصدقاء عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وكوني أمتلك مكتبة لا بأس بها في البيت، فإني كنت أمكث فيها ساعات دون أن اقترب من أي كتاب، وغير مسموح لي أن أقرأ صفحة واحدة، فأوامر الطبيب صارمة ويجب أن تطبق بحذافيرها إن أردت الحفاظ على عيني اليُمنى.
وفي الأسبوع الثاني من العملية، سمح لي الطبيب بالعودة التدريجية الحذرة للحياة الطبيعية، فاطلعت على بعض الرسائل وكانت بعضها تحمل سؤالًا: لماذا لا ترد؟ ورسالة واحدة من أحد الأصدقاء: هل أنت خارج البلاد؟ طمنا عليك.
في تلك الأيام، بدا لي أن المرض لا يهاجم الجسد وحده، بل يهاجم حياتك اليومية بأكملها ليرسم لك حياة أخرى تجد نفسك فيها فجأة وبدون إنذار شخصا آخر، فتتذكر الأيام التي مضت وأنت تملك كامل حريتك في التنقل وممارسة الحياة اليومية.
كنت أدخل مكتبتي كل يوم وأنا لا أستطيع ممارسة عادتي اليومية في مطالعة عناوين الكتب وتفقد الصفحات وإعادة ترتيب بعض الكتب المتناثرة هنا وهناك، مع هاجس يومي ظل يؤرقني وسؤال ظل يطاردني: هل أستطيع إضافة رفوف جديدة كي أقتني إصدارات جديدة، ويبدو أنه من حسن حظي تأجيل أو ربما إلغاء معرض مسقط الدولي للكتاب هذا العام بسبب الحرب الحمقاء التي شنها ترامب ونتنياهو على إيران، مع أنه كان من المفترض أن يصدر لي كتاب جديد هذا العام.
لم تكن المشكلة تكمن في المنع من القراءة فقط، بل في الإحساس الغريب بأن العين التي كانت نافذتي إلى معرفة العالم أصبحت تحتاج هي الأخرى إلى عزلة وصمت وهدنة أرجو ألا تكون طويلة. وهنا لا أنسى دور عائلتي -وخاصة زوجتي- في البحث عن مواد مسموعة وبرامج ثقافية كبديل مؤقت للقراءة، حتى لا أشعر بانقطاع كامل عن حياتي الطبيعية التي اعتدت عليها.
المرض حالة لا يتمناها أحد وخاصة إذا أجبر الإنسان على المكوث في المنزل بين 4 جدران، لكن إذا ابتلينا به فإنه يمنحنا فرصة نادرة لإعادة النظر في تفاصيل كثيرة كنا نتعامل معها باعتبارها أمورًا بديهية، فنحن بطبيعة الحال لا نفكر كثيرًا في نعمة النظر إلا حين تحدث مشكلة في العين ويطلب منا الطبيب ألّا نقرأ، ولا نفكر في قيمة الوقت إلا عندما يصبح اليوم طويلًا وثقيلًا إلى هذا الحد، حتى الكتب التي كانت بالنسبة إليّ جزءًا من الحياة اليومية، تحولت بقرار طبي إلى شيء بعيد المنال، وكأن المعرفة نفسها تحتاج أحيانًا إلى عين معافاة لا إلى عقل مشتعل فقط.
بعد ثلاثة أسابيع من العملية بدأت أعود تدريجيًا، ولكن بحذر أيضا إلى القراءة، وإلى متابعة الأخبار والرد على الرسائل، لكن شيئًا ما بداخلي لم يعد كما كان، صرت أكثر انتباهًا لفكرة بسيطة كنا لا نفكر فيها: أن مجرد القدرة على أن تعيش تفاصيلك الصغيرة بشكل طبيعي أو أن تقرأ صفحة من كتاب دون خوف، أو أن تنظر إلى الضوء دون قلق أو ترد على رسالة دون أن تشعر بأن عينك تدفع الثمن، نعمة كبيرة نغفل عنها وسط زحام روتين الحياة اليومية الذي يرهق أجسادنا دون أن ننتبه.
