صالح البلوشي
قبل عدة سنوات، وفي ذروة اشتعال الحرب الأهلية في سوريا، خضت نقاشًا مع بعض الأصدقاء حول أهمية الأمن والاستقرار لكل دولة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل ولحفظ الحدّ الأدنى من معنى الحياة.
قلتُ يومها إن أي دولة- مهما بلغت قوتها- لا تخلو من مشاكل اقتصادية، لكن الفارق الجوهري يبقى بين دولة تعاني أزمات داخل إطار الاستقرار، ودولة تنفجر فيها الأزمات خارج أي إطار من النظام والأمن. وفي ذلك النقاش، قال أحد الأصدقاء: «لو كنت أعيش في حرب أهلية – لا سمح الله – لكنتُ مستعدًا أن أضحي بنصف راتبي، وربما أكثر، مقابل أن أضمن أمن عائلتي فقط». يومها أدركت أن هذا القول يكفي ليؤكد أن الأمن ليس مجرد ملف من بين الملفات، بل هو القاعدة التي تقوم عليها جميع القضايا الأخرى، فلا اقتصاد يُبنى في ظل الفوضى، ولا تعليم يستمر في ظل الخوف، ولا استثمار يُغامر في بلد لا يُعرف فيه من يملك السلاح غدًا، ولا حتى معنى للسياسة عندما تتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوحة.
وما حدث في إيران خلال الأيام الماضية يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: كيف تبدأ الاحتجاجات؟ وكيف تنتهي في كثير من بلدان المنطقة؟ فغالبًا ما تبدأ المظاهرات بتجمعات محدودة احتجاجًا على أوضاع اقتصادية أو معيشية ضاغطة، ثم لا تمضي أيام حتى تتوسع الدائرة، ويتحوّل المشهد من عشرات إلى آلاف.
وفي هذه اللحظة يبدأ التحول الأخطر: تتراجع الشعارات الاقتصادية، وتُستبدل بشعارات سياسية تطالب بالإصلاح، ثم بمطالب تتجاوز الإصلاح إلى إسقاط النظام، وهنا لا يمكن فهم ما يجري فقط من زاوية الغضب الشعبي المشروع، بل أيضًا من زاوية وجود قوى تخريبية داخلية وخارجية تنتظر مثل هذه اللحظات لتوجيه الاحتجاجات، وتضخيمها سياسيًا وإعلاميًا، وحرفها عن مسارها الطبيعي، وتحويلها إلى أدوات في صراعات وأجندات إقليمية ودولية.
وقد رأينا ذلك التحول بوضوح في سوريا وليبيا واليمن، بدأت الاحتجاجات فيها بمطالب اقتصادية واجتماعية مشروعة، ثم سرعان ما دخلت شعارات إسقاط النظام، وطلب التدخل الخارجي، وتسليح الشارع، لتتحول- في بعض الحالات- إلى حروب مفتوحة، وكانت النتيجة دولًا مدمرة، ومجتمعات ممزقة، وملايين اللاجئين، واقتصادات منهارة، وأجيالًا دفعت ثمن انتقال الاحتجاج من مطلب إصلاحي إلى مشروع فوضى.
إنَّ التأكيد على أولوية الأمن لا يعني تبرير الفشل الاقتصادي ولا إعفاء الحكومات من مسؤولياتها، ولا إنكار حق الشعوب في الحياة الكريمة، لكنه يطرح سؤالًا مؤلمًا ومتكررًا: كيف نوازن بين الحق في الاحتجاج والحاجة إلى الدولة؟ بين مشروعية الغضب وخطورة الانزلاق؟
والجواب لا يكمن في قمع الأسئلة، ولا في فتح الأبواب للفوضى؛ بل في إدراك أن الدولة تبقى آخر جدار يمنع تحوّل الأزمات إلى حروب، والمطالب إلى مقابر.
