مُزنة المسافر
لم تكن النافذة متروكة هكذا قبل أن يغيب عمي رجب ويروح إلى حيث لا تدري الدمى، من فتح النافذة، إنه بالتأكيد الأراجوز يريد أن يعتاد على شكل الدنيا في الخارج، وعلى أنوارها وأضوائها، انضم إليه شكشك رغم أنه يشعر بالنعاس، يريد أن يتعلم السهر.
السهر الذي سمع عنه الكثير، السهر الذي يحتاج إلى كوبية شاي أو فنجان قهوة مظبوطة، ليكون لك نصيب كبير وسط طيات الليل وبين صفحاته، يصف شكشك الناس التي تسهر للأراجوز، ويعتقد وسط أفكاره القطنية أنهم سعداء.
شكشك: أديك شفت الناس عايشة إزاي.
الأراجوز: إزاي؟، مبسوطة يعني.
شكشك: مبسوطين يا أراجوز، دول الناس!
الأراجوز: وإحنا إيه؟
نحن الدُمى يا أراجوز، هم لهم مشاعر متبدلة وحيواتهم متجددة، ليست رتيبة مثل حياة الكنبة هنا، حاول شكشك أن يشرح أكثر للأراجوز لماذا عليه أن يرى الدنيا، حتى لا يصبح في يوم ما نكرة مثله، دون عمل وأمل، عليه أن يرى الناس، ويشعر بهم، ويجدهم وسط الزحمة، ويحصل على أفضل فرصة.
شكشك: إلّا قولي يا أراجوز، حتفتكرني بعد ما تسيب المكان؟
الأراجوز: وده كلام!
الكلام كلام يا أراجوز، يتبخر بسرعة كبيرة وسط الهواء ويصبح ببساطة سراب، هذا عيب الأبجدية أنها أصلًا حروف، قد تنفصل وقد تندمج في أي وقت، فكيف يا أراجوز لا يتغير كلامك وحوارك هذا.
الأراجوز: عايز بس دلولة تزيد في حبها ليا حبة شوية.
شكشك: ما تخافش مش حتروح من إيدك، بقولك يا أراجوز، بتحب البطاطا؟
الأراجوز: بحب دلولة، وبحب الفول والقصب، وبحب البطاطا كمان عشان خاطرك.
شكشك: أفهم يا غشيم، البطاطا!
يقصد شكشك سلة البطاطا التي تذهب إلى الأسفل مرارًا وتكرارًا، لتنزل لصاحب محل الخضار بحبل طويل، وأحيانًا للعربات الصغيرة المصطفة أمام العمارة، يُنزلها عمي رجب حين يود أن يطبخ، وبخت البطاطا أنها دائمًا هي التي تجلس في تلك السلة، والسلة اليوم خالية لأن عمي رجب ليس موجودًا، خرج ولم يعد حتى الآن.
الفرصة كبيرة والأمور في السليم، يشرح شكشك وهو يرسم في كراسة صغيرة، خطة إنزال الأراجوز للأسفل حتى يرى الدنيا، ويخبره شكشك أن الدنيا كلها تنتظره، وأنه حالما ينزل لتحت ستكون الأمور أفضل من أي شيء رأه في شقة عمي رجب وفي عالم مسرح العرائس.
العالم في الأسفل حقيقي، كل شيء فيه ينبض بالحياة، وقد لا ينضم شكشك للأراجوز، لأنه يعرج ورجله اليمنى تؤلمه إذا صعد السلة، والدنيا تحتاج الكثير من الإيقاظ والسهر، ولا يقدر شكشك أن يشرب الشاي أو يحتسي فنجانًا من القهوة لأنه عانى في الماضي من الحموضة.
وهكذا قرر شكشك أن يودع صديقه الأراجوز ويساعده في صعود السلة، وطلب منه أن لا يودع دلولة الحلوة، ويبقي على هذه الخطة سرية، خصوصًا أن القطة غطت في نوم عميق، وعمي رجب لم يعد بعد من مقهى الزقاق، والليل الحالك فرصة، وهل سيذهب الأراجوز؟ من يدري؟!
