د. هبة محمد العطار
في زمن أصبح فيه كل شيء يقاس بالمال والمكاسب المادية، يكاد الإنسان ينسى أن أعظم ما يمكن أن يقدمه لغيره لا يشترى ولا يباع، فالقيمة الحقيقية للعلاقات الإنسانية لم تكن يوما فيما نعطيه من أشياء؛ بل فيما نهبه من حضور واحتواء ومعنى، الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، لا يعيش فقط بالطعام والمال؛ بل يعيش أيضا بالكلمة الطيبة، وبالشعور أن هناك من يفهمه ويقف إلى جواره، لذلك فإن جزءا أصيلا من إنسانيتنا يتمثل في أن يكون لنا دور في حياة الآخرين، ليس بوصفنا مانحين للمساعدة المادية فقط؛ بل بوصفنا مصادر للدعم المعنوي الذي يمنح الروح قدرة جديدة على الاستمرار.
الدعم المعنوي في كثير من الأحيان أعظم أثرًا من أي مساعدة مادية، قد يستطيع المال أن يحل بعض المشكلات، لكنه لا يستطيع أن يرمم روحًا مُتعبة أو قلبًا مُثقلًا بالقلق، هناك لحظات في حياة الإنسان لا يحتاج فيها إلى ما يملكه الآخرون؛ بل إلى ما يشعر به معهم، يحتاج إلى كلمة تفهم، إلى نظرة رحيمة، إلى وجود صادق يخفف عنه ثقل اللحظة، وحين يفقد المجتمع هذا النوع من التعاطف الإنساني يصبح الناس أكثر وحدة رغم كثرة من حولهم، وأكثر هشاشة رغم وفرة الإمكانات.
ومن هنا تتجلى إحدى أعمق صور الإنسانية، أن يكون للإنسان دور في انتشال غيره حين يتعثر، ليس لأننا معصومون من السقوط؛ بل لأننا جميعًا معرضون له في لحظة ما، فالحياة ليست طريقًا مستقيمًا؛ بل مسار مليء بالمنعطفات والاختبارات، وقد يجد أي إنسان نفسه فجأة في موقف أصعب مما كان يتوقع، وفي تلك اللحظات يصبح وجود من يمُد يده للآخرين تعبيرًا حقيقيًا عن وعي الإنسان بضعفه المشترك مع بقية البشر.
ولهذا فإن التعامل مع من يمرون بأزمات يحتاج إلى حكمة مختلفة عما نظنه، تخيل إنسانًا يغرق في الماء، هل يكون أول ما نفعله أن نشرح له قواعد السباحة، بالطبع لا، أول ما نفعله أن نحاول إنقاذه وإخراجه من الماء، لأن الغريق لا يتعلم وهو يغرق، كذلك الإنسان حين يكون غارقًا في أزمته لا يكون مُستعدًا لسماع الدروس أو تحمل اللوم؛ بل يكون محتاجًا قبل أي شيء إلى من يساعده على الخروج من الحالة التي تحاصره.
كثيرون يقفون على شاطئ الأزمات ليقدموا النصائح لمن ما يزال في قلب العاصفة، يشرحون له أين أخطأ، ولماذا كان عليه أن يتصرف بحكمة، وكيف كان يمكنه أن يتجنب ما حدث، قد تبدو كلماتهم منطقية لكنها غالبًا لا تصل إلى من يسمعها، لأن الإنسان حين يكون في ذروة ألمه لا يبحث عن التحليل بقدر ما يبحث عن الأمان، النصيحة في وقت الاختناق قد تتحول إلى عبء إضافي، بينما ما يحتاجه فعلا هو من يساعده أولا على أن يستعيد أنفاسه.
ومن هنا يظهر الدور الحقيقي لمن يريد أن يساعد الآخرين، فالمساعدة ليست مجرد حلول تقال؛ بل رحمة تمارس، الشخص الذي يحاول إنقاذ غيره يحتاج إلى قلب يدرك أن الحياة لا تمنح أحدا حصانة من التعثر، كلنا معرضون للأزمات والضغوط واللحظات التي نفقد فيها توازننا، لذلك فإن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع من وقعوا في أزماتهم بتواضع إنساني لا بقسوة الأحكام، فليس كل من سقط كان السبب ضعفه؛ بل كثيرا ما تكون الظروف أقسى من قدرة الإنسان على الاحتمال، ولهذا لا ينبغي أن نطلق الأحكام بقسوتها؛ بل أن نقدم النصائح برحمتها.
علم النفس يُفسِّر هذه الحالة بوضوح؛ فالإنسان حين يدخل في أزمة شديدة يعمل عقله في ما يشبه حالة البقاء؛ حيث تتراجع القدرة على التفكير الهادئ والتحليل العميق، في تلك اللحظة تتقدم مشاعر الخوف والارتباك لتسيطر على الداخل كله، لذلك فإن محاولة توجيهه أو محاسبته في هذا التوقيت تشبه محاولة تعليم شخص القراءة وسط حريق، العقل لا يتعلم تحت الضغط الشديد؛ بل يتعلم حين يستعيد شعوره بالأمان، ولهذا فإن أول ما يحتاجه الإنسان في أزمته هو الشعور بأن هناك من يقف إلى جواره.
كما أن الناس يختلفون في طريقة استجابتهم للأزمات؛ فهناك من ينغلق على نفسه تماما ويحتاج إلى وقت حتى يستعيد ثقته بالآخرين، وهناك من يتحدث كثيرًا لأنه يحاول تفريغ ما يثقله من الداخل، وهناك من يتظاهر بالقوة لكنه في الحقيقة يخفي هشاشة كبيرة، وهناك من يتحول إلى الدفاع والحدة لأنه يشعر في داخله بالخوف، فهم هذه الاختلافات يجعلنا أكثر رحمة في تعاملنا مع الناس، وأكثر قدرة على مساعدتهم بالطريقة التي تناسب طبيعتهم.
إنَّ أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان للآخرين ليس أن يكون قاضيًا عليهم؛ بل أن يكون جسرًا يعبرون عليه إلى بر الأمان، أن يقف بجوارهم حين تتعثر خطواتهم، لا أن يزيد عثراتهم بالاتهام، لأن الإنسان حين يشعر أن هناك من أنقذه في لحظة ضعفه يصبح أكثر استعدادًا لأن يتعلم، وأكثر قدرة على ألا يعود إلى الغرق مرة أخرى؛ فالحكمة الحقيقية ليست في أن نقول للغريق لماذا غرق؛ بل في أن نساعده أولًا على أن ينجو، ثم نعلمه بهدوء كيف يسبح في المرة القادمة!
