سُلطان بن خلفان اليحيائي
ليست المشكلة أن العجل صُنع يومًا في صحراء سيناء.. المشكلة أن العجول ما زالت تُصنع كل يوم، وتجد من يعبدها.
ليست قصص القرآن حكايات تُروى للتاريخ فحسب، بل مفاتيح لفهم ما يتكرر في حياة الأمم. ومن يتأمل قصة موسى عليه السلام في سورٍ عدة من القرآن الكريم، يكتشف أن المشهد الذي جرى في صحراء سيناء لم يكن حادثة عابرة، بل سنّة تتكرر كلما اختارت أمة طريق العجل بدل العصا.
فدائمًا هناك عصا تُقيم الحق، ودائمًا هناك عجل يُصنع للوهم، ودائمًا هناك أمم تُخيَّر بينهما.
عصا موسى.. تحوّل الضعف إلى قوة.
عصا موسى لم تكن مجرد أداة معجزة، بل رمزًا لمنهج كامل. وقف بها نبي أعزل أمام أعظم طاغية في زمانه، فأسقط سحر السحرة وفتح البحر طريقًا للنجاة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 50]
القوة الحقيقية حين تكون بيدك عصا القرار لا عجلًا لا يأتي إلا بخراب المدائن.
العصا كانت منهجًا وقيمًا وصوتًا لا يُخشى لكل من يقف في وجه الطغيان. أظهرت كيف يمكن للحق أن يقهر الظلم دون سلاح يُرى، وكيف يمكن للإيمان والثبات أن يحوّلا أضعف الوسائل إلى قوة جبّارة.
العجل.. لحظة السقوط
لكن السقوط لا يبدأ دائمًا بالسيف، بل بالانحراف الداخلي. فالسامري صنع العجل وأقنع بعض بني إسرائيل بعبادته. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: 148].
أخطر ما يصيب الأمم ليس القوة الظاهرة، بل الوهم الذي يجعلها تركع لصنم صنعته أيديها. وهنا تبدأ القصة التي تتكرر في كل زمان: عجل يُصنع.. وجماهير تُخدع.. وحقّ يُحاصَر. عجول العصر.. وحبال السِّحر
في مشهدنا المعاصر لم يعد العجل تمثالًا من ذهب، بل قد يكون صورةً أو خطابًا أو تغريدة تُبنى بعناية. يظهر عجل الإعلام فيعلو صوته ويجمع حوله التأييد، بينما تُوارى خلفه الحقائق.
إلى جانبه تتكشف حبال السحرة الإعلامية؛ تلوّح بالأخبار، وتشوه المواقف، وتقلب الحقائق، فتسحر عيون الجماهير فلا يستطيع كثيرون التفرقة بين الحق والباطل.
المشهد ذاته يتكرر: حبالٌ تتحرك.. وأعينٌ تُخدع.. وحقيقةٌ تنتظر من يراها؛ فالعجل لا يصنع قوته من الذهب.. بل من تصديق الجماهير.
ومع ذلك تبقى العصا كما كانت، ثابتة في يد من اختار الحق مهما حاول العجل وحبال السحرة أن يبدّدوا الرؤية. فالحق يحتاج إلى وعيٍ وحصافة؛ لأن القوة الظاهرة قد تخدع الأبصار، لكنها لا تُلغي الحقيقة.
الثبات على الحق
ومن أبلغ الشواهد في التاريخ ما وقع في غزوة الأحزاب حين اجتمعت قوى قريش واليهود والمنافقين على المدينة المنورة، ظانّين أن كثرتهم وكيدهم يكفي لإسقاط الحق.
كان يومها عبّاد العجل مجتمعين وكاد صوته أن يعلو.. لكنه لم يصمد.
في المقابل ظهر معنى العصا؛ عقل مؤمن يهتدي للحكمة. فقد أشار الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، فاصلاً بين الحق والباطل، وحاميًا للمدينة من طغيان الأحزاب.
وقد صف القرآن تلك اللحظة الفاصلة: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22]
وهكذا يتكرر المشهد في كل عصر؛ تجتمع قوى الشر وتعلو أصواتها، ويُظن أن العصا ستنكسر تحت ثقل الحصار.
العجل قد يعلو صوته مؤقتاً.. لكن صوته لا يدوم.
لحظة الانكشاف
حتى إذا هدأت الأمواج، وذهب الزبد، وانكشف القاع.. تبيّن للناس أن العجل قد احترق، ويبقى الحق شامخًا لا يطاله الباطل.
العاقل يرى العصا في صمتها، ولا ينخدع بلمعان العجل، ويعرف أن كل ألقٍ زائل، وكل ضجّةٍ ماكرة ستنكشف عاجلًا أم آجلًا؛ فالقوة الحقيقية لا تكمن في الصراخ، ولا في الكثرة، بل في الصبر والثبات على الحق.
والتاريخ يعلمنا درسًا واحدًا لا يتغيّر: قد يجتمع الباطل في جيوش وأحلاف، وقد يعلو صوته، لكن الحق يكفيه أن يثبت.. ليبقى.
العجل مهما لمع ذهبُه يبقى صنمًا أجوف.. أما العصا فهي الحق الذي لا يُكسر.
ولهذا يتكرر الدرس في كل عصر: قد يعلو خُوار العجل.. لكن العصا هي التي تبقى.
نداءٌ للعقلاء.. انظروا حولكم.. أين العصا، وأين العجل؟ الخيار لكم اليوم، لا غدًا. فإمّا أن تقفوا وقفة الأحرار مع العصا، مع الذين أنعم الله عليهم، فتكونوا من المهتدين. وإمّا أن تظلّوا في ظلّ العجل، مع المغضوب عليهم والضالين؛ فالعجل لم يختفِ من التاريخ.. بل ما زال يُصنع كل يوم، لكن العصا أيضًا ما زالت حاضرة.. تنتظر من يحملها.
