د. سالم بن حسن الشنفري
اقتصادات دول العالم مرتكزة على قطاعات رئيسة ومهمة للغاية، ومن بين هذه القطاعات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، ويعد من القطاعات المساهمة في رفد الناتج القومي وبنسب متفاوتة متنامية؛ حيث تشير الدراسات المتخصصة والتقارير الحديثة، إلى أن مساهمته في عدد من الدول قد بلغت حوالي 6% في الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بزيادة هذه النسبة في المستقبل.
الاقتصاد الرقمي في بعض الدول النامية في نمو مُطرد، ويتميز من بين القطاعات الأخرى بمعدلات نمو متسارعة تجاوزت 13% في بعض هذه الدول، وهذا يعزز الاستثمار في البنية التحتية وبمجال التقنيات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي، وقد بلغ حجم سوق الاتصالات العالمي بحسب المؤشرات الرقمية إلى 2.09 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، وتوقعات بأن تنمو هذه الصناعة بمعدل سنوي مُركب يبلغ 6.6%، لذلك من المتوقع أن يصل إجمالي حجم السوق إلى ما يقارب 2.87 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030.
واستمر قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في تطور نوعي ملحوظ في سلطنة عُمان للسنوات المتعاقبة حتى أكتوبر 2025م، وحقق القطاع أرقامًا مُشجعة ساهمت في تعزيز التحول الرقمي المنشود، إذ بلغ إجمالي اشتراكات خدمات الاتصالات المُتنقلة 6.42 مليون اشتراك، وهذا مُؤشر يدل على ارتفاع نسبة النمو إلى 7% وفقًا لمؤشرات الأداء- أثر وابتكار (2021- 2025)- الصادر عن هيئة تنظيم الاتصالات، كما تشير المؤشرات كذلك إلى نمو مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، بلغت في إطار أنشطة الاقتصاد الرقمي والاتصالات إلى 961 مليون ريال عُماني بحلول عام 2025، بنسبة نمو 25%، وقد تبين من هذه المؤشرات الرقمية ما يبدو ظاهريا، بأن سوق الاتصالات في السلطنة في أفضل حالاته، ويجسد ذلك عمليا تمدد شبكات الجيل الخامس، وتوسع الألياف البصرية، والعروض الترويجية التي لا تنقطع من الشركات المشغلة.
تندرج شركات الاتصالات الرئيسة بالسوق العُماني ضمن مجموعة الشركات الفاعلة تسويقيا، كعُمانتل وأوريدو عُمان، إضافة إلى شركة فودافون عُمان، والأخيرة أحدث الشركة تأسيسًا وتسويقًا، وكذلك الشركات الافتراضية وشركات إعادة بيع الخدمة، ويعطي تعدد الشركات وتنوعها انطباعًا عن وجود منافسة تفاضلية وخيارات واسعة لدى المستهلك، ومع ذلك، عند النظر بعمق إلى تفاصيل مستوى التسويق، نجد ما نستدل منه إلى ما يبدو تداخلا للمعطيات التسويقية، وما قد يسفر عنه من تحديات ينبغي تجاوزها؛ فوجود أكثر من شركة في السوق، لا يضمن بالضرورة منافسة سليمة وفاعلة، خاصة وأن مجال الطلب والاستخدام بالسوق ينمو بوتيرة ملحوظة، وكذلك لا يخلو السوق من التحديات التي تواجهه، مثل جودة المنافسة واستدامة الاستثمار، ودور التنظيم في الحفاظ على التوازن بين حقوق المستهلكين وقدرة الشركات على التطور والنمو.
غدت الخدمات الأكثر نموًا بقطاع الاتصالات مطلبًا أكثر إلحاحًا للحياة اليومية، وهذا ما جعل تسارع نمو الطلب على خدمات الاتصالات مثل الهاتف المتنقل والإنترنت أكثر رواجًا، والأمر لم يعد مجرد وسيلة اتصال أو من وسائل الترفيه؛ فالاتصالات من حيث الأهمية الخدماتية، تكاد تواكب أهمية الكهرباء والمياه ضمن البنية الأساسية الخدماتية للمجتمع.
لقد اقترن تطور خدمات الاتصالات بتطور قناعات المستهلكين وتنوع متطلباتهم، حتى تجاوز الحال مرحلة توفر شبكات الاتصالات، إلى ما ينبغي توفيره من جودة أفضل، من مثل ثبات السرعة وقت الذروة، واستجابة في الوقت المناسب، وكفاءة في معالجة الشكاوى، ووضوح الأسعار، وهذه في مجملها تمثل ساحة التنافس الحقيقية، وتفرض في المقابل تنظيمًا ناضجًا، يرتكز على مؤشرات جودة مُعلنة وموحدة، تُمكّن من القياس والمساءلة.
لذلك يهدف نمو الاستثمار في القطاع إلى مواكبة التطور وخلق مشهد تقني متقدم، وهذه الغاية المُلحة، تفرض بالضرورة تكلفة عالية على الشركات من خلال الإنفاق على البُنى الأساسية، وأهمها تكلفة توسعة شبكات الجيل الخامس، والألياف البصرية، والصيانة، والمصروفات على الطاقة والأمن السيبراني، وفي المُجمل تعد هذه مصاريف ضخمة تضغط على أرباح الشركات، خاصة في سوق سعته الخدماتية أقل مثل سوق عُمان، ومن ناحية أخرى فإن عروض وأسعار الشركات المنخفضة أحيانًا، رغم جودتها للمستهلكين على المدى المنظور، وجاذبة بمواصفات للمستهلك، فإن أي منافسة غير متوازنة، أو تعاظم تنافس أسعار غير منضبطة وغير مضمونة النتائج، قد يُشكل تهديدًا حقيقيا للاستثمار طويل الأمد في القطاع، وستحدث ضررا في السوق وتخوفاً لدى المستثمرين .
يثير ذلك الواقع تساؤلًا عن دور الجهات التنظيمية لحماية السوق، وأين يُكمن جوهر مهامها، فلم تعد المهام مُقننة على إصدار التراخيص أو الموافقة على عروض الاتصالات التجارية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى حماية توازن السوق والمستهلك من الممارسات المضللة، ومن المنافسة الضارة التي قد تستنزف الاستثمار، وحماية المستقبل من القرارات أو اللوائح ضيقة الأفق ذات المنظور القصير، وأن تعمل وفق آليات التنظيم الفعال والقواعد الواضحة، التي تُشجع مسار الاستثمار الجاد، وتكون عوناً لتحقيق الاستقرار والنمو اللازمين، وتعمل على خلق بيئة مُستقرة، تهيئ إمكانية التنبؤ لمستقبل وافر الثقة للمستثمر والمُستهلك معًا.
إنَّ ما يثير حقًا التفاؤل بمستقبل زاهر لقطاع الاتصالات في عُمان خلال السنوات الخمس المقبلة، الاحتمال الوارد بأن يخطو القطاع نحو مرحلة تحول مهمة من العمل التقني التسويقي لتحسين خدمات الاتصالات، يرتكز على بيع الحلول المتكاملة بدلًا من بيع خدمات الاتصال، وهذا سيوفر لعدد من الشركات دورًا تسويقيًا ناجحًا، يتجاوز خدماتها من بيع للباقات الأساسية، إلى تقديم خدمات ذات قيمة مُضافة، ومنها خدمات إنترنت الأشياء، وحلول الأعمال، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات. وفي هذه الحالة لن يتم قياس النجاح بعدد أبراج الاتصالات أو مساحة التغطية الجغرافية، بل بمدى تأثير هذه الشبكات على الصناعة واللوجستيات والسياحة والخدمات الحكومية والاستثمار في المناطق التي كانت تعتبر أقل ربحية في السابق، كما إن مشاركة الأبراج وكابلات الألياف البصرية بين الشركات ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة لخفض التكاليف وتقليل التكرار والهدر. كذلك فإن وجود المشغلين الافتراضيين في السوق، يعد إثراء للخدمات التسويقية، إذا ما توفرت له شروط عادلة، للوصول إلى التسعير المناسب بعيدًا عن الشكلية.
إنَّ سوق الواعد للاتصالات في عُمان ليس مُحصنًا، فالسوق في مرحلة انتقال، من توسع تقني سريع إلى اختبار نضج اقتصادي وتنظيمي، والرهان الحقيقي على سوق متوازن، يتصف بالمنافسة الجادة وبالتنظيم المُستقل الشفاف، مقرونًا بجودة خدمة قابلة للقياس ومُعلنة، وبضبط هيمنة مشغل على آخر، وإن إدارة هذا التوازن بكفاءة، سوف تُمكِّن قطاع الاتصالات التحول من قطاع خدمي ضاغط على الهوامش، إلى رافعة رقمية للاقتصاد الوطني، يحمي نمو اليوم ويحفظ استدامة الغد المأمول.
