د. ناصر الطائي
ودَّعت سلطنة عُمان في العشر الأواخر من شهر رمضان المُبارك، أحد أعمدة نهضتها الحديثة وأحد وجوهها التي ارتبط اسمها بمسيرة البناء الوطني منذ بداياتها الأولى؛ وهو المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السُّمو السيِّد فهد بن محمود آل سعيد- طيب الله ثراه.
لم يكن رحيله مجرد فقدان لمسؤول رفيع شغل مواقع متقدمة في الدولة؛ بل كان وداعًا لأحد الرموز التي جسّدت روح النهضة العُمانية، ورسّخت عبر عقود طويلة ملامح الشخصية السياسية والثقافية لعُمان الحديثة.
السيد فهد أحد رموز النهضة العُمانية على مدار عقود طويلة
السيد فهد مثال للرجل الذي يجمع بين الحنكة السياسية والهدوء العميق والوقار الإنساني

لقد كان سموّه، كما عرفه كل من اقترب منه أو عمل معه، مثالًا للرجل الذي يجمع بين الحنكة السياسية والهدوء العميق والوقار الإنساني. وهي خصال لم تكن مجرد سمات شخصية، بل كانت انعكاسًا لنهجٍ كامل قامت عليه الحكمة العُمانية في تعاملها مع الداخل والخارج؛ نهج يقوم على الحكمة قبل الصخب، وعلى الاتزان قبل الاندفاع، وعلى الإيمان بأنَّ بناء الدول لا يتم إلا بالصبر والرؤية البعيدة.
ومن يعرف تاريخ النهضة العُمانية يدرك أنَّ الجيل الذي شارك في تأسيسها كان جيلًا استثنائيًا بكل المقاييس. فقد لبّى رجاله نداء الوطن عندما دعاهم السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- للمشاركة في مشروع بناء الدولة الحديثة. فجاءوا من مواقع وتجارب مختلفة، يحملون خبراتهم وطموحاتهم ليضعوا معًا اللبنات الأولى لعُمان الجديدة. وكان السيد فهد بن محمود أحد أبرز وجوه هذا الجيل المؤسس، الذين جمعوا بين الخبرة السياسية والالتزام الوطني العميق.
السيد فهد ينتمي إلى "جيل استثنائي" لبّى نداء الوطن وأسهموا في بناء عُمان الحديثة
وقد تعرّفتُ على سموّه منذ سنوات طويلة، ليس فقط من خلال اللقاءات المُباشرة؛ بل أيضًا عبر أحاديث والدي- رحمه الله- الذي كان يستعيد كثيرًا ذكرياته معه في دبي ومسقط في السنوات الأولى من عُمر النهضة. كان يتحدَّث عنه دائمًا بوصفه رجلًا يجمع بين الوقار والبساطة والقدرة الفطرية على الإصغاء، وهي صفات كثيرًا ما تميز رجال الدولة الحقيقيين.
وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، ظل حضور سموّه في المشهد السياسي العُماني حضورًا ثابتًا ومتزنًا. فقد مثّل سلطنة عُمان في محافل إقليمية ودولية عديدة، وكان حضوره دائمًا يحمل تلك السكينة العُمانية المعروفة التي تجمع بين الحكمة والهدوء. لم يكن من رجال الخطابة الصاخبة؛ بل من رجال الكلمة الهادئة التي تصيب المعنى بدقة.
وهكذا كان حضوره في السياسة والدبلوماسية؛ حضورًا هادئًا لكنه مؤثر، وقورًا لكنه حاسم في لحظاته المفصلية.
لقد تقلّد سموّه مناصب رفيعة في الدولة، من بينها وزارة الإعلام ثم الوزارة المسؤولة عن شؤون مجلس الوزراء، وكان خلال هذه المواقع جزءًا أساسيًا من منظومة العمل التي أرست دعائم مؤسسات الدولة الحديثة. ففي وزارة الإعلام، كان يدرك أن الكلمة ليست مجرد وسيلة نقل خبر؛ بل أداة بناء وعيٍ وصياغة صورة حضارية للدولة. وقد جاءت الرسالة الإعلامية العُمانية في تلك المرحلة متوازنة، تعكس روح النهضة وتؤكد على هوية وطنٍ يسير بثقة نحو المستقبل دون أن يفقد جذوره التاريخية.
أما في مجلس الوزراء، فقد كان جزءًا من العقل المؤسَّسِي الذي ساهم في ترسيخ الاستقرار الإداري والسياسي للدولة. وكان دوره في متابعة السياسات العامة يعكس رؤية تقوم على التوازن بين التطوير والحفاظ على ثوابت المجتمع العُماني.
لكنَّ شخصية السيد فهد بن محمود لم تكن سياسية فحسب؛ فقد كان أيضًا صاحب اهتمام عميق بالثقافة والفنون الرفيعة، وخاصة الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا. وكان يرى في الثقافة لغة عالمية تتجاوز الحدود السياسية، وتفتح آفاق الحوار بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، تولّى سموّه رئاسة اللجنة العليا لدار الأوبرا السلطانية مسقط لما يقارب خمسة عشر عامًا، وهي مؤسسة ثقافية أصبحت خلال فترة وجيزة إحدى أبرز المنارات الفنية في المنطقة. وكان يؤمن بأن الفنون الرفيعة ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزءًا من بناء الإنسان وتوسيع آفاقه الحضارية.
وكان شغفه بالموسيقى الكلاسيكية معروفًا بين من عملوا معه. فقد كان مولعًا بأصواتٍ شكلت علامات مضيئة في تاريخ الغناء العالمي، مثل ماريا كالاس وبلاسيدو دومينغو ولوتشيانو بافاروتي، كما كان يتابع أعمال كبار القادة الموسيقيين مثل فاليري جيرجيف. وفي الوقت نفسه كان يكن تقديرًا خاصًا للفنان العربي مارسيل خليفة لماجدة الرومي لما تحمله موسيقاهم من التزام إنساني وثقافي.
وكان للأوبرا الإيطالية مكانة خاصة في ذائقته الفنية، لما تحمله من مزيج فريد بين التراجيديا الإنسانية والروح الدرامية الرفيعة. وكان يذكر دائمًا أعمال جيوكينو روسيني مثل "حلاق إشبيلية"، وأعمال جوزيبي فيردي مثل "عايدة"؛ بوصفها نماذج للجمال الموسيقي الذي يجمع بين البساطة اللحنية والعمق الإنساني. كما كان أيضًا من مُحبي الموسيقار الألماني لودفيغ فان بيتهوفن، وخاصة سيمفونياته التي تجسّد صراع الإنسان مع القدر وانتصاره عليه. وربما وجد في تلك الموسيقى؛ ما يعكس روح الإرادة الإنسانية (العُمانية) التي تصنع التاريخ برغم الصعاب.
ومن خلال متابعته الدقيقة لبرامج دار الأوبرا السلطانية، كان حريصًا على أن تبقى الدار فضاءً للحوار الثقافي بين الشرق والغرب. وقد أصبحت بالفعل منصة عالمية يلتقي فيها الفنانون والجمهور من مختلف الثقافات، في تجربة تعكس روح الانفتاح التي قامت عليها النهضة العُمانية.
وكانت بلكونة سموّه الخاصة في دار الأوبرا السلطانية شاهدةً على هذا الشغف؛ فقد اعتاد حضور العروض ومتابعتها بعنايةٍ، في صورةٍ تختصر علاقة رجل الدولة بالثقافة بوصفها لغة إنسانية مشتركة.
ومن اللحظات التي تجلت فيها شخصية سموّه القيادية بوضوح، كلمته الوقورة بعد وفاة السلطان قابوس- طيب الله ثراه- فقد جاءت كلمته في تلك اللحظة التاريخية مُحمَّلة بالطمأنينة والحرص على استمرارية الدولة، ومؤكدة على أن مسيرة عُمان ستظل قائمة على الثوابت التي أرساها مؤسِّس نهضتها الحديثة.
إنَّ استحضار سيرة المغفور له بإذن الله تعالى السيد فهد بن محمود آل سعيد، ليس مجرد استذكار لمسؤولٍ كبير شغل مواقع متقدمة في الدولة؛ بل هو تأمل في ملامح مرحلة كاملة من تاريخ عُمان الحديث. فقد كان سموّه، على مدى أكثر من خمسة عقود، واحدًا من الوجوه التي جسدت روح النهضة العُمانية: نهضة قامت على الحكمة قبل القوة، وعلى الاتزان قبل الصخب، وعلى الإيمان العميق بأن بناء الدولة مشروعٌ طويل تصُوغه الإرادة الهادئة والعمل المتواصل.
لقد كان حضوره في السياسة والإدارة والثقافة امتدادًا لمدرسة عُمانية عريقة في الحكم والدبلوماسية، مدرسة تؤمن بأن الاعتدال ليس ضعفًا؛ بل قوة أخلاقية وسياسية، وأن الحوار طريقٌ للاستقرار، وأن الثقافة جسرٌ يربط الشعوب ويقرب بينها. وفي هذا المعنى، لم يكن سمو السيد فهد بن محمود مجرد رجل دولة، بل كان تجسيدًا حيًّا لملامح الشخصية العُمانية التي تشكّلت عبر التاريخ: شخصية متجذرة في تراثها، واثقة في قيمها، ومنفتحة على العالم.
وإذا كانت الدول تُعرف أحيانًا برجالها، فإنَّ بعض الرجال يُصبحون بدورهم مرآةً لروح الدولة. وهكذا كان سمو السيد فهد بن محمود؛ فقد انعكست في شخصيته قيم الوقار والاعتدال والاتزان التي عُرفت بها عُمان في محيطها الإقليمي والدولي.
