نحو عقيدة أمن خليجية مستقلة

 

 

 

علي العايل الكثيري

 

في خضمِّ العواصف التي عصفت بالمنطقة، سقطت كثيرٌ من الأوهام دفعةً واحدة؛ أوهام التحالفات الاتحادية والبينية، وأوهام الاتفاقات الثنائية الممهورة بتواقيع براقة، لكنها عند لحظة الحقيقة تبيّن أنها مشدودة إلى خيط المصالح الآنية، لا إلى جذور المبادئ الراسخة.

لقد بنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أمنها لعقود على شبكةٍ من التحالفات مع قوى إقليمية ودولية. غير أنَّ التجارب أثبتت أنَّ التحالفات التي تقوم على موازين اللحظة، لا على التزامٍ مبدئي ثابت، تتراجع حين ترتفع كلفة الموقف، أو حين تتعارض المصالح.

وقد رأينا كيف بقيت التفاهمات مع تركيا محكومة بحساباتها الخاصة، وكيف أن الشراكات مع باكستان أو الهند لم تتحول إلى مظلة ردع حقيقية عند اشتداد التهديد. أما الاتفاقات الدفاعية مع بعض الدول الأوروبية، فقد بدت أقرب إلى ترتيبات تعاون تقني وسياسي منها إلى التزامٍ دفاعي صريح يُختبر في الميدان.

المشكلة ليست في وجود التحالفات بحد ذاتها؛ فالعالم يقوم على المصالح. لكن الخلل يكمن في التعويل عليها بوصفها ضمانة نهائية للأمن، بينما هي في حقيقتها رهينة حسابات متغيرة تحكمها ضغوطات داخلية، وتوازنات دولية أعقد من نصوص الاتفاقات.

وعليه، فإنَّ التحالف القائم على مصلحة آنية سينكفئ حين تتغير تلك المصلحة. أما التحالف القائم على مبدأ راسخ ووحدة مصير، فهو الذي يصمد عند الأزمات. وهنا تبرز الحقيقة التي طال تجاهلها: فالأمن الخليجي لا ينبغي أن يُبنى خارج حدوده.

إن الدعوة اليوم ليست شعارًا عاطفيًا، بل استحقاقًا استراتيجيًا يتمثل في بناء جيشٍ خليجي موحد، بعقيدة عسكرية مشتركة، وقيادة موحدة، وتكامل تسليحي واستخباراتي حقيقي، لا مجرد إطار رمزي محدود الصلاحيات. لقد كانت تجربة «درع الجزيرة» خطوة أولى في هذا المسار، لكنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى الاتحاد الدفاعي الكامل.

وإذا كانت الأزمات قد كشفت هشاشة التحالفات المبنية على المصالح الآنية، فإنِّها في الوقت ذاته منحت دول الخليج فرصة نادرة لإعادة تعريف أمنها؛ لا على أساس من سيوقع معنا غدًا، بل على أساس من يقف معنا حين تُغلق الأبواب.

لقد أثبتت الوقائع أن الاتفاقات قد تُوقّع في زمن الرخاء، لكن الجيوش المشتركة لا تُبنى إلا حين تتوافر الثقة ووحدة الإرادة. ومن دون ذلك، سنظل ندور في فلك تعهداتٍ جميلة اللغة، ضعيفة الفعل؛ فأمن الشعوب لا يمكن استعارته، بل يُصنع بقوتها الذاتية وحدها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z