مُزنة المسافر
هل يَحِنّ الأراجوز لشيء ما؟، لماضٍ أو لطفولةٍ امتلأت باللعب، هل كان يلعب كثيرًا؟، كيف وهو أرجوز يعمل طيلة الوقت منذ نعومة أظفاره، وهو يكدح ويفلح، ويقدم المال والفلوس ويُضحك على نفسه النفوس التي تُشعرهُ بالربكة، كل ذلك من أجل الضحكة.
حقه الآن أن يشعر بالدلال، وهل يمكن ذلك؟، أم هذا الدلال تملكه دلولة، المشغولة دائمًا بنشر الغسيل، فهي دمية خيوط، أجمل من أي دمية ماريونيت، وأجمل عروسة رآها الأراجوز في حياته، إنها هناك في شرفة الطابق الخامس تنشر ملابس دمى الخيوط.
هل ينادي عليها من تحت؟
أو هناك من سيساعد خجل الأراجوز أن يسلم عليها بجرأة الدمى.
شكشك: دلولة! مش عارفة حصل إيه للأراجوز.
دلولة: ماله الأراجوز؟
شكشك: عيان يا دلولة عيان!
دلولة: ليه بقى؟ هو برد ولا إيه يا شكشك؟
علق شكشك أن مرضه شيء آخر، مرضه الخجل، وأنه مثل بقلة ملفوفٍ ملفوفٌ حول نفسه، لا يمكنه أن يزيل هذا الحياء إلا بدواء، ودواؤه الخروج والفسحة، وصعود الأتوبيسات والعربيات، لكنه بحاجة لمن يؤنسه في خروجه هذا، يحتاج جنسًا آخر من أجناس العرائس، ماذا يحتاج يا ترى؟
شكشك: عروسة بفستان!
لأنه لا يقدر على تقديم أي لكمة أو ضربة للرجال.
إنه خفيف الدم، ولطيف وحلو المعشر وجميل الوجه.
دلولة: صعب عليَّا الأراجوز.
عايز يشوف الشمس؟
صاح شكشك أن الشمس لا تكفيه، هو بحاجة إلى الليل والسهر، حتى يغني المواويل وينظم شعرًا يناسب الليل والعين، ويصدح وسط الناس، بما في جوفه من أنفاس، له نفس قصير في الشغل وله نفس طويل للحرية.
لا يدري شكشك إن اقتنعت دلولة بكلماته هذه، ونطقت أنها ستفكر، كيف ستعين الأراجوز على أن يخرج ليمضغ اللب واللوز معها على الكورنيش، في مشهد رومانسي، يكون فيه كل ألمٍ في قلبه منسي.
وما رأي عمي رجب؟ كلهم يعرفون أنه لا يرحم العرائس، ولا يقبل تقاعس الدمى، ولا أحد يود أن يعمل عنده، حتى قردة السيرك والنسانيس خافت أن تعيش أسفل جلبابه، وقالوا أنه يظهر أحيانًا بأنيابه.
وهنا ظهر الأراجوز وهو يبدو كأراجوز ضائع، ليس ضليعًا في النقد، ولا يمكنه أن ينتقد عمي رجب، فقد علمه عمي رجب أن يرد على الجمهور أنه يحب الفول والقصب ويحب فقط عمي رجب.
وماذا عن طموحه الشخصي؟ ماذا عن أحلامه اللولبية التي تدخل عقله أسفل الطرطور الذي فوق رأسه، وماذا عن قلبه الذي ينبض نبضًا مستمرًا، قلبه يود أن يرى الدنيا.
الأراجوز شرح لدلولة أننا نعيش مرة واحدة، وحياتنا مثل الناس تمامًا، هم لهم أنف وعينين، وفساتين، ونحن لنا أنف وعينين، وملابس تُنشر على حبل الغسيل.
وأننا نستحق العِتق والحرية، وأن هجران عمي رجب أو رب العمل، أو صاحب الكار ليس إلا فكرٌ جديد منتشر بين كل العرائس الراغبين أن يكونوا مستقلين في حياتهم وأرزاقهم.
يريدون أن يعيشوا عيشًا يضمن الكرامة، دون تلك الصرامة التي اعتاد فيها الأراجوز على العمل مثل حمار يعيش في الريف، لابد أن يصنع لنفسه تاريخًا مستقلًا، يتميز به فوق كل العرائس والدمى التي عرفتها الدنيا، وهل سيفعل؟ من يدري؟!
