د. هبة محمد العطار
لم يكن خروج المرأة إلى العمل مجرد تحول اقتصادي أو اجتماعي، بل كان تحولا عميقا في بنية الوعي الإنساني ذاته، فحين دخلت المرأة ميادين العمل العام لم تدخلها ككيان مهني فقط، بل ككائن يحمل منظومة كاملة من المشاعر والأدوار والرموز الاجتماعية، لقد انتقلت من فضاء كانت فيه العلاقات أكثر دفئا وبساطة إلى فضاء آخر تحكمه المنافسة والسرعة والإنجاز والتصنيف المستمر، وفي هذا الانتقال لم يتغير جدول يومها فقط، بل تغير الإيقاع الداخلي لروحها، ذلك الإيقاع الذي كان يعتمد على الاستقرار والهدوء والاحتواء العاطفي، فالمجتمع الحديث لا يكتفي بأن تعمل المرأة بل يطلب منها أن تنجح وأن تتفوق وأن تنافس وأن تظهر وأن تحافظ على صورتها في فضاء عام لا يتوقف عن التقييم، وهنا تبدأ أولى تشققات الأمان الداخلي، لأن النفس البشرية كما يوضح علم النفس لا تستطيع العيش طويلا في حالة التوتر المستمر دون أن تدفع ثمنا عاطفيا خفيا.
لقد دخلت المرأة في كثير من الأحيان إلى ساحة صراعات لم تخلق طبيعتها النفسية الأولى من أجلها، فبيئات العمل الحديثة تقوم على التنافس والتحالفات والصراعات الخفية وضغوط الإنجاز وإدارة الصورة العامة، وهي كلها آليات يفسرها علم الاجتماع بوصفها سمات المجتمع الحديث القائم على الأداء والإنجاز لا على العلاقات، ومع مرور الوقت لا تظل هذه الضغوط خارج النفس بل تتحول إلى توتر داخلي دائم، ومن هنا تظهر ظاهرة ما يسميه علماء النفس الاستنزاف العاطفي، حين يصبح الإنسان في حالة دفاع دائم عن موقعه أو طموحه، وهذا الاستنزاف لا يعلن نفسه دائما في صورة شكوى صريحة بل يظهر في شكل فقدان تدريجي للهدوء وتراجع القدرة على الاسترخاء وتآكل تلك المساحات الرقيقة من الروح التي كانت تمنح الحياة طعمها الإنساني.
إن أخطر ما يحدث في هذا التحول ليس مجرد التعب الجسدي بل تغير البنية العاطفية للحياة اليومية، فالمرأة التي تعيش يومها في سباق مهني طويل بين مهام العمل وضغوط التقييم والسعي للترقي تعود إلى بيتها وهي تحمل معها بقايا ذلك الصراع، وهنا يحدث ما يصفه علماء النفس بانتقال الضغوط بين المجالات الحياتية، أي أن توترات العمل لا تبقى في مكانها بل تعبر الحدود إلى الحياة الأسرية، وفي اللحظة التي يلتقي فيها تعب الرجل القادم من صراعات الخارج مع تعب المرأة القادمة من صراعات مماثلة تتولد دائرة من الاحتكاك غير المقصود، لا لأن الحب قد انتهى بل لأن طاقة الاحتمال قد تآكلت، فيتحول البيت الذي كان تاريخيا ملاذا من صخب العالم إلى امتداد آخر لذلك الصخب.
ومن منظور علم الاجتماع الأسري، فإن التوازن داخل الأسرة يعتمد على توزيع الأدوار بقدر ما يعتمد على توازن الطاقات النفسية، فإذا دخل الطرفان البيت مثقلين بالضغوط يصبح من الصعب على الحياة اليومية أن تستعيد هدوءها الطبيعي، ومع تكرار هذه الحالة تبدأ تفاصيل صغيرة في التضخم، كلمة عابرة تتحول إلى شجار وإرهاق عادي يتحول إلى اتهام ويصبح كل طرف أكثر حساسية وأقل قدرة على الاستيعاب، والنتيجة أن المناخ النفسي للأسرة يتغير تدريجيا دون أن ينتبه أحد إلى لحظة التحول الأولى، وهنا يبدأ الأطفال وهم أكثر الكائنات حساسية للمناخ العاطفي في التقاط تلك الإشارات غير المرئية، فتتأثر مشاعرهم وأمانهم النفسي بل وأحيانا قدرتهم على التركيز والتحصيل.
لكن الحقيقة الأكثر تعقيدا هي أن هذه المعادلة ليست صراعا بسيطا بين العمل والأسرة بل هي صراع بين صورتين للذات داخل المرأة نفسها، فهناك ذات تطمح إلى الإنجاز والاعتراف الاجتماعي وذات أخرى تبحث عن السكينة والاحتواء العاطفي، وعندما تتسع الفجوة بين هاتين الصورتين يتولد ما يسميه علم النفس التنافر الداخلي، إنه ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان ناجحا في نظر المجتمع لكنه يشعر في أعماقه بشيء من الاضطراب غير المفسر، وليس معنى ذلك أن طموح المرأة خطأ أو أن عملها مشكلة بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في المجتمع الذي يطلب منها أن تكون كل شيء في وقت واحد دون أن يمنحها شروط التوازن الإنساني.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل تعمل المرأة أم لا، بل كيف يمكن للحياة الحديثة أن تستعيد توازنها الإنساني، فالمجتمع الذي يختزل قيمة الإنسان في الإنجاز فقط يفقد بالتدريج حساسيته تجاه المعاني الأعمق للحياة، السكينة والدفء والاحتواء والعلاقات الإنسانية، والبيت ليس مجرد مساحة للسكن بل هو منظومة نفسية كاملة تتشكل فيها شخصية الإنسان منذ طفولته، وإذا تحولت هذه المنظومة إلى ساحة توتر دائم فإن المجتمع كله سيدفع الثمن على المدى الطويل، لذلك فإن التحدي الحقيقي في عصرنا ليس طموح المرأة ولا عملها بل قدرتنا كأفراد ومجتمعات على إعادة اكتشاف معنى التوازن، ذلك التوازن الذي يجعل النجاح لا يأتي على حساب السلام الداخلي ويجعل البيت يظل المكان الأخير الذي لا تدخله ضوضاء العالم.
