"البليد" في ذاكرة التاريخ العُماني.. مركز للحُكم وبوابة للتجارة مع العالم

 

 

الرؤية- ناصر أبوعون

 

يذكر المؤرخون أنّ (الحَبُوضيين) أسّسوا (مدينة البليد) جنوب شرق ظَفار القديمة والتي تُدعَى (الرباط) كعاصمة لدولتهم، وتمّ الفراغ من بنائها في أواخر العقد الثاني من القرن السابع الهجريّ، ما بين (616هـ- 619هـ) في عهد السلطان أحمد بن محمد الحبوضي، وهو الذي سمّاها (الأحمديّة).

ثمَّ خرَّبّ أحمد بن مزروع الحبوضيّ ظَفَار سنة ثمان عشرة وستمائة، وبنى مدينة (المنصورة)، وسُكِنَتْ سنة عشرين وستمائة، وقد أُدِيرَ عليها سورٌ من الحجر والجصّ، ورتَّبَ عليه أربعة أبواب: باب البحر ينفذ إلى البحر ويسمى (باب الساحل)، وبابين مما يلي البرّ وهما على الاسم لأبواب ظفار المهدومة أحدهما في المَشرق يسمى (باب حرقة) وينفذ إلى (عين فرض)، والثاني مما يلي المغرب، ويسمى (باب الحرجاء)، وينفذ إلى الحرجاء، و(الحرجاء) مدينة لطيفة وُضِعَت على ساحل البحر بالقرب من (البليد)، وما يلي (المنصورة) إلا لإحكام البلاد خوفًا من العِبَاد" (1)

البليد في المصادر العربيّة القديمة

قال الشَّيخُ القاضِي عِيَسى الطَّائِيُّ: [ (وَلَعَلَّ الْحِصْنَ- الَّذِي بَقِيَتْ أَنْقَاضُهُ وَرُسُوْمُهُ الْآنَ- بِالبِلَيْدِ ظَفَارِ الْقَدِيْمَة)]. واسم[ (ظَفَارِ الْقَدِيْمَة)] يتردّد في المراجع العربيّة القديمة اسم (شِحْر عُمان) في المصادر القديمة عَلَمًا على (إقليم ظفار القديمة)، وتحديدا في المنطقة الجغرافية ما بين (عُمان واليمن)، و"أقدم إشارة تؤكِّد تبعيتها لـ (عُمان) تعود إلى النصف الأول من القرن العاشر الميلاديّ (2) ذكرها الاصطخري (3)، وتَابَعَهُ ابن حوقل (4) ويدلِّل (الباحث د. خالد الوهيبيّ) على عُمانيَّتها بالإشارة إلى قِيام حاكم عُمان بتحصيل (ضريبة العُشُور) على النشاط التجاريّ فيها مستشهدا بما أورده الرمهرمزي (5) وتَتَبَّعَ (الوهيبيّ) في بحثه أسماء القُرى والمُدن التابعة لـ(إقليم ظَفار العُمانيّ) نقلًا عن المصادر القديمة؛ فذكر أنّ (ريسوت) (6) و(مدينة ظَفار)، و(مرباط) (7) و(جزيرة خرتان) و(جزيرة مرتان/الحلانِّيات) (8) و (النَّجْد) (9) و(حَاسِك) (10)

ولم يظهر اسم (ظَفار) إلا بعد إنشاء السلطان أحمد بن محمد الحَبُوضيّ مدينة ظَفار ما بين 616هـ 619هـ /1219م- 1220م)، ومن ذلك الحين أصبح يُقْرنُ اسم المدينة الحَبُوضية بكلمة (ظَفار)، وقد عُمِّمَ هذا الاسم فأصبح يُطلَق عليها اسم (ظَفار الحَبُوضيّ)؛ حيث استمر ذلك حتى النصف الأول من القرن الثامن الهجريّ/النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلاديّ، ثم أخذ اسم (ظَفار الحَبُوضيّ) في التلاشي في زمن (الدولة الرسوليّة) منذ النصف الثاني من القرن الثامن الهجريّ/النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلاديّ، ثم انتُسِيَتْ (ظَفار الحَبُوضيّ) نهائيًا في عهد (الدولة الكُثيريّة) منذ القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلاديّ، وبقي اسم (ظَفار) وَحْدَه، واستمر كاسمٍ للإقليم في العصر الحاضر. (11)

[(البِلَيْدِ)] هذا الاسم يُطلق على مركز الحُكم والسُّلْطة في (ظَفار)، وما زالت تتواصل الدراسات المسحية والحفريات الأثريّة التي تقوم بها العديد من البعثات الآثارية التابعة لمراكز دراسات وجامعات غربيّة وعربيّة متخصصة في المجمع الكبير بموقع (البليد)، بمدينة صلالة، وكشفت عن أهمية موقع البليد؛ باعتباره مركزًا تِجاريًا نشطًا للصادر والوارد، كما عثرت بعض البعثات الكشفيّة على العديد من العملات والأواني المصنوعة من السيراميك التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادي. وأيضًا فإن موقع البليد من المواقع التي ترجع إلى العصور الإسلامية المبكرة، وقد تعرَّضت للدَّمار وأعيد بناؤها في عام 1221م، وفقدت أهميتها بالتدريج خلال القرن السادس عشر للميلاد، وذلك عندما انهارت تجارتها واقتصادها بسبب سيطرة البرتغاليين على الكثير من صادراتها المصدرة إلى الهند.

وبالنسبة لتخطيط هذه المدينة فقد كان مستطيل الشكل يطل على البحر ويحيط به سور له 3 بوابات استخدمت كمداخل للمدينة، كما تم الكشف عن أطلال مسجد كبير المساحة مستطيل الشكل، وهو عبارة عن مبنى مرتفع تحيط به الشرفات من جميع الجهات، وهذا الطراز من الشرفات استُخدم في جميع مساجد ظفار، كما كان للمسجد فناء صغير المساحة بالمقارنة مع حجم المساحة المسقوفة، وقد عُثِر أيضا على حائط القبلة والمحراب والمنبر. أما بالنسبة لطراز الأعمدة المستخدمة في رفع السقف فقد كانت ثمانية الأضلاع، ومن خلال المعثورات الأثرية اتضح أن المدينة نعمت بالاستقرار والرخاء وكانت ميناء لتصدير الخيول وزيت السمك واللبان إلى الهند التي تستورد منها عُمان القطنَ والأرز، كما لوحظ بأن المدينة كانت تنتج المنسوجات من الحرير والتيل والقطنيات وكانت لها صلات تجارية مع شرق أفريقيا ومصر نتيجة لإحياء الطريق التجاري التاريخيّ عبر البحر الأحمر". (12)

***********

المراجع والمصادر:

 (1) تأريخ المستبصر، ابن المجاور، ط2، دار التنوير، بيروت، 1986م، ص ص: 260- 262، وانظر: هوامش كتاب تاريخ ظفار التجاري، حسين باعمر، ص ص: 9، 10

 (2) التقسيمات والإدارية في شبه جزيرة عُمان في العصر الإصلاميّ الوسيط، خالد بن خلفان الوهيبيّ، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية، مج10،ع: 1، إبريل 2019م، ص: 98

 (3) المسالك والممالك، إبراهيم الكرخي الاصطخري، تحقيق: محمد صابر عبد العالي الحيني، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، ص: 27

 (4) صورة الأرض، أبو القاسم النصيبي ابن حوقل، تحقيق: كراموس، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1979م، ص: 44

 (5) عجائب الهند بره وبحره وجزايره، الرامهرمزي، تحقيق: ليث، فان دير، بريل، ليدن، ص: 130

 (6) صفة جزيرة العرب، الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانيّ، (ت، 344هـ 955م)، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، مركز الدراسات والبحوث اليمنيّ، 1983،بيروت، ص: 91، 92

 (7) معجم البلدان، ياقوت الحمويّ، 1984 ج4، ص: 60

 (8) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، أبو عبدالله محمد الشريف الإدريسيّ (ت،560ه)، تحقيق: مجموعة من المحققين، ج2، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ص: 52

 (9) معجم البلدان، ج5، ص: 261

 (10) كتاب الجغرافيا، أبو الحسن علي بن موسى ابن المجاور (ت، 685هـ)، تحقيق: إسماعيل العربي، المكتب التجاري العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1970م، ص: 271

 (11) خالد الوهيبي، نقلا عن سالم بن عامر الحوقاني في رسالته للماجستير (إقليم ظفار العُماني في ظل حكم الحَبُوضيين والرسوليين، 2012م، ص: 34-64/79-98

 (12) عُمان في التاريخ، وزارة الإعلام العُمانيّة، ط2، مسقط 2010م، ص ص: 93، 94، 95

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z