الحرب والاستنزاف

 

 

 

د. سليمان بن عمير المحذوري

abualazher@gmail.com

 

نعيش هذه اللحظات أوقاتًا عصيبة بسبب الحرب الدائرة في منطقة الخليج والتي لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وما من شكّ أن تداعيتها وآثارها امتدت إلى جميع الدول الخليجية بلا استثناء؛ فضلا عن الارتدادات الإقليمية والدولية وهذا أمر متوقع. ورغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها سلطنة عُمان في احتواء الأزمة، والوصول الى اتفاق بين أمريكا وإيران بخصوص البرنامج النووي؛ إلا أنه يبدو أنّ قرار الحرب قد اتُخذ مسبقًا، وهناك من لم يكن يرغب في الوصول إلى أي اتفاق.

على أي حال انتهت المفاوضات بعدوان أمريكي إسرائيلي على إيران بتاريخ الثامن والعشرين من شهر فبراير، ومن المعلوم أنّ الحروب يُمكن تحديد بدايتها؛ بيد أنّه يصعب التنبؤ بنهايتها إن لم يكن مستحيلًا. عمومًا أصبحت الحرب واقعًا مريرًا لتدخل المنطقة نفقًا مظلمًا لأهداف خبيثة في حسابات الصهاينة من أجل تدمير منطقة الشرق الأوسط، وتمزيقها إلى كيانات وظيفية متناحرة غير مستقرة، ونهب ثرواتها.

وكما يقول المثل "ويل للعشب إذا تصارعت الفيلة"؛ إذ يبدو جليًا أنّ منطقتنا الخليجية هي المتأثرة وبشكل مباشر جراء هذه الحرب من مختلف الجوانب، وقد تستغرق سنوات حتى تتعافى مجددًا من آثارها. ومن جانب آخر تشهد المنطقة نزوحًا جماعيًا من الأجانب الى بلدانهم فيما سنبقى نحن أهل المنطقة نواجه تداعيات الحرب.

ورغم الاستفزازات الملاحظة، ونشر معلومات مضللة من خلال الفبركة الإعلامية، وتنشيط الذباب الالكتروني من أجل التأجيج، وزرع الفتن في محاولة بائسة لجرّ دول الخليج الآمنة إلى أتون هذه الحرب؛ إلا أنّ الثقة العالية في حكمة القيادات الخليجية ستفوت الفرصة على من يدقون طبول الحرب. كما إن المتتبع لوسائل التواصل الاجتماعي يلحظ وبوضوح الرأي العقلاني للخليجيين في الدعوة إلى عدم الوقوع في الفخ، والانجرار للحرب الدائرة، ومدى وعيهم بالدعوة إلى الوحدة، ونبذ الطائفية المقيتة.

ورغم الاختلافات بين دول مجلس التعاون مع إيران في بعض الملفات السياسية لكن الجيرة تقول كلمتها، والجغرافيا والتاريخ تُشير إلى ضرورة تجنب الصراعات المسلحة في حل الأزمات، وتبقى الدبلوماسية والحوار البنّاء هي الوسيلة الأنجع لحلحلة الملفات العالقة، ومد جسور التعاون بين جميع الدول على ضفتي الخليج لتحقيق مصالح شعوبها، وحتى تنعم المنطقة بالأمن والاستقرار.  

ومن الطبيعي أن لكل أزمة دروسها وإن كانت مكلفة ولها ثمن باهظ، وفي كل محنة منحة كما يقال؛ حيث يتضح لنا بجلاء أنّ الاعتماد على القوى الكبرى في حماية أمن الخليج قد يورط دوله في حسابات دولية معقدة، ويدخلها في أتون صراعات وحروب عبثية هي في غنى عنها؛ لذا وكنتيجة مباشرة لهذه الأزمة ينبغي تقييم هذه المسألة بموضوعية تامة بما يتماشى مع مصالح دول الخليج. وإزاء ذلك لا بد من تفعيل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وانشاء جيش خليجي موحد، وتوحيد السياسات الأمنية والاقتصادية لدرء الأخطار المحدقة، وإعادة النظر في التحالفات القائمة بما لا يضر المصلحة الخليجية العليا بعيدًا عن المصالح الضيقة.  

إننا نتضرع إلى الله سبحانه تعالى أن تضع الحرب أوزارها، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا وسائر بلاد المسلمين.

الأكثر قراءة

z