الامتداد التاريخي للسلام العُماني

 

 

 

حمد الناصري

 

منذ فجر الإمبراطورية العُمانية في القرن التاسع عشر التي امتدت إلى أقصى الشرق الأفريقي، من جزيرة "بوريون- لا ريبون" الواقعة في البحر العميق شرق مدغشقر، وقد أقامت فرنسا علاقاتها بعُمان التاريخية في أوج قوتها وامتدادها من جزيرة" الريونيون أو "جزيرة بوربون" من 1814-1840، وفي العام 1840 أصبحت عُمان القوة المُسيطرة على امبراطورية بحرية واسعة، تمتد من ساحل بندر عباس "بلاد فارس" إلى بلوشستان إلى زنجبار ومن رأس جوردافو بالصومال إلى رأس دلجادو في موزمبيق.

ولكون عُمان لها نشاط بحري عظيم امتدت دبلوماسيتها إلى مناطق واسعة من الشرق الآسيوي وإلى أقصى الشرق الافريقي، فجاورت إمبراطورية عُمان إمبراطوريات كبرى سواء أكانت إمبراطوريات تجارية أو استعمارية وقد قام السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي اتفاقيات مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكانت أول اتفاقية سنة 1841 اتفاقية تبادل تجاري وأبرمت اتفاقية صداقة في 4 نوفمبر 1844 بين زنجبار "مملكة السلطان سعيد "وبين جزر الريونيون الفرنسية التي تتجاور مع ممتلكات الإمبراطورية العُمانية في مدغشقر وجزر القمر، وصولًا إلى رحلة السفينة سُلطانة كأول سفينة شحن  تجارية، والتي اشتهرتْ باسم "لا كارولين" وقد مخرتْ "لا كارولين" عُباب البحار العميقة وقام قائدها المعروف بحاجي درويش كمبعوث من السلطان سعيد بن سُلطان إلى تولون وباريس واستقبله لويس-نابوليون بونابرت، رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك.

هذه القوة العُمانية البحرية العظيمة عززت العلاقات الفرنسية-العُمانية إلى درجة وزير الشؤون الخارجية الفرنسية "هانوتو" أيقنَ بقناعة دبلوماسية بإقامة تمثيل قنصلي في مسقط في 1894. ولمّا وصل الفرنسي "بول أوتافي"، كأوّل قنصل لفرنسا في مسقط، سنة 1894، فقد أبدى السلطان فيصل بن تركي البوسعيدي حاكم عُمان آنذاك من 1888-1913، رغبة شديدة في التعاون مع فرنسا. وقد وهبها سنة 1896، بيتًا بمسقط الذي أصبح فيما بعد يُعرف بـ"بيت فرنسا". ويكون مقرًا للقنصلية الفرنسية حتى عام 1920 ثم تحوّل لاحقًا في عام 1992 إلى المتحف العُماني الفرنسي. برعاية السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، توثيقًا للعلاقات التاريخية بين البلدين.

وفي عام 2015 نظمت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العُمانية ندوة "تحت عنوان "عُمان في الوثائق الفرنسية" لتسليط الضوء على العلاقات التاريخية المشتركة بين عُمان وفرنسا.. واستعراض العلاقة السياسية والتجارية والحضارية، من خلال الأرشيف الوطني الفرنسي وبيانًا للوجود العُماني التاريخي في شرق أفريقيا.

تمسّكت عُمان بالخيار الثقافي، وتبنّت ثقافة السلام، وحققت بذلك فكرًا بشريًا من خلال ثقافتها التعايشية، وفهمها القويم لأسس التعايش؛ فسعتْ لتعميق مفهوم السلام حتى أصبحت دولًا كثيرة تصطف إلى جانبها وترتكز على مبادئ سياستها للسلام، واجتهدت سَلطنة عُمان إلى الارتقاء بسعيها إلى السلام لتكون صانعة السلام؛ بل هي الدولة الموثوقة على المستوى الإقليمي والدولي وما قيادتها للمفاوضات الامريكية الإيرانية سوى شاهد واحد من الشواهد التي عرفها العالم لعُمان الحِكْمة كشريك مشهود له بالأمانة والحياد.. لا تُفرّق بين بلد وآخر ولا جنس ولا لون؛ بل إنّ سَعْيها يتضمّن احترام الناس جميعًا من منطلق قوله تعالى "ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة".

احترام قيمة الانسان أساسية في ثقافة العُمانيين قديمًا وحديثًا وفي أخلاقهم، تقديرًا منهم لكرامة الانسان وقيمة الإنسانية بغض النظر عن دينهم وعُرقهم وفي القرآن العظيم نقرأ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.

ولذلك فثقافة المجتمع العُماني أصّلت هذا المبدأ ليتجلّى في خُلقهم القويم، ألا وهو السلام، فحقّ الاستخلاف في الأرض، هو دفْعٌ للسلام والأمان والاطمئنان وعِمارة الأرض، إحياء لكرامة الانسان وحِفاظًا على الحياة والعدالة وحرية الإنسان فلا نُؤذي غيرنا ولا نعتدي على أحد.

خُلاصة القول.. إنّ سَلطنة عُمان ذات ماضٍ عريق وتاريخ يُحَتّم عليها أن تقوم بهذا الدور وهذه المساعي الناشدة للسلام بين الشعوب، فدور عُمان لن يكفّ عن نشد السلام وهذا ناتج عن قناعتها وثقافتها فمنذ عهد طويل وتعاونها حاضر لنشر السلام وليس وليد اللحظة ولا يعني هذا الدور أبدًا تنازلها عن قِيَمها وتاريخها أو المساس بكرامتها وإنسانها ومكانتها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z