رمضان في عُمان أيام زمان

بوشر في عيون الطائيين الشعراء.. حدائق غناء تُزيّن موطن النصر والفخار


 

 

 

الفقيه العلامة صالح بن عامر الطائي يرى بوشر معقل الرضا ومهوى ذوي القربى

الشيخ صالح الطائي كتب منظومة تؤرخ لزيارة السلطان برغش إلى غلا

غلا كانت متنزهًا للاستجمام لطيب هوائها وارتفاع مكانها وانعدام رطوبتها

بوشر مسقط رأس للكثير من ذرية الطائيين ومهوى قلوبهم ومربط أشعارهم

بوشر منتصبة كسارية بحرية في كل مخطوط تاريخي بالمنتوج الإبداعي للطائيين

 

 

الرؤية- ناصر أبوعون

ثمانية وأربعون (فلجًا)؛ يتصدرها (فلج بوسمان) و(النجّار)؛ وتتحدّر من قراب الغيم (ماء طهورا)؛ يتدفق من كفّ الله واهب الحياة ويسّاقط من مزون الحكمة على رؤوس الجبال، موائدَ خير، ساريًا في شقوق الطين (فأحيا به الأرض بعد موتها)، وناثرًا الخضارَ بساتينَ وحدائق غناء في موطن النصر والفخار في تلك البقعة المباركة التي مازالت تضيء ركنًا قصيًا من ذاكرة التاريخ العُمانيّ المجيد، حيث تَشَكّلَ وجودها في مخطوط الجغرافيا السياسيّة مع انبلاج فجر الألف الثاني قبل الميلاد.

وعندما تضع أصبعك على الخارطة وتشير إلى ولاية (بوشر) ستتبدى لك وهي تطل من عليائها، وشمال كبريائها المضمخ بالانتصارات على (بحر عُمان)، ومن زاوية أخرى تتراءى أمام ناظريك وهي تسند ظهرها المنتصب فخرًا وخيلاءً من ناحية الجنوب إلى جبال عُمان الراسيات التي نفضت عن أكتافها جحافل الطامعين والغزاة، ودحرت عسكر (الحجاج بن يوسف الثقفي) في معركة (البلقعين) على يد الأزديين الأشاوس.

ومن منظور الجغرافيا الإنسانية سترى (بوشر) بقلبك متكئةً على أكتاف (مطرح) من ناحية الشرق؛ بحنو الأخوّة ورحم القرابة في النضال والمقاومة والتشاركية في دحر الغاصبين البرتغاليين من آخر معاقلهم في معركة كبرى بالقرب من مسجد (الخور والشهداء)، ومن جهة الغرب تتجاور مع ولاية (السيب) الشهيرة تاريخيًا باسم (دما) ذاك الثغر الإسلاميّ البحري ورباط المسلمين في عُمان ما بين (177هـ – 280هـ)، ومعقل الأسطول البحري الأول في عهد الإمام غسان بن عبد الله (192هـ -207هـ). [كتاب أسياد البحر، حمود بن حمد الغيلاني، مطابع النهضة، 2015-2016م] وكثير من الشعراء القدامى والمعاصرين تغنوا بمناخ (بوشر) وملاعب الصبا فيها ومما قاله فيها (الشيخ محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عامر الخليلي): [هل أتاكم من صوب (بوشر) نفح/ ينشر الحبّ بالندى ويسح - هل أتاكم برد النسيم رسولا/ فيه من نخلها البواسق لمح- مر كالطيف بالأحبة لطفًا/ يرسم الوصل في الخيال ويمحو].

وفي كثير من الوثائق التي وردت فيها قرية (بوشر) يتردد اسم (سيبا المال)؛ أمَّا عن دلالة اسم (سيبا المال) ومعانيه فقد أجمعت المعاجم والمفهرسات على أنّ (السَّيْبُ: الْعَطَاءُ، وَالْعُرْفُ، وَالنَّافِلَةُ. وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ: وَاجْعَلْهُ سَيْبًا نَافِعًا. أَيْ: عَطَاءً، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ مَطَرًا سَائِبًا أَيْ جَارِيًا. وَالسُّيُوبُ: الرِّكَازُ، لِأَنَّهَا مِنْ سَيْبِ اللَّهِ وَعَطَائِهِ)؛ وَفِي كتابه لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: وَفِي السُّيُوبِ الْخُمُسُ؛ قَاْلَ أَبُو عُبَيْدٍ: السُّيُوبُ الرِّكَازُ؛ قَالَ: وَلَا أُرَاهُ أُخِذَ إِلَّا مِنَ السَّيْبِ، وَهُوَ الْعَطَاءُ؛ وَأَنْشَدَ:[فَمَا أَنَّا مِنْ رَيْبِ الْمَنُونِ بِجُبَّأٍ/ وَمَا أَنَّا مِنْ سَيْبِ الْإِلَهِ بِآيِسِ [القاموس المحيط والوسيط، ولسان العرب]و(سيبا المال) اسم مكان ومعلمٌ ثرٌّ بالأحداث التاريخية، والمطارحات العلمية، وفي عديد من (المخطوطات العُمانية المكنوزة في الأراشيف العائلية، و"هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية" والمجموعات الخاصة للعديد من المحققين) جاء مقترنا باسم العديد من (أعلام الطائيين الأوائل) نذكر منهم: (الشيخ القاضي صالح بن عامر الطيوانيّ وأبنائه وأحفاده من بعده)، وهو مَعين نبوغٍ لم ينضب عطاؤه حتى اليوم، وخزانةُ مكتنزة بأصول فقه القضاء مشرعة الأبواب لا تُوصد، واستضوأ أنوار علمه من مشكاة السابقين الأولين وأروى قلبه مصاصة اجتهادهم في أركان الدين، واستنور فكره بأنوار الأقطاب الأماجد النابهين. وقد حطّ فيها رحاله قادما من (سمائل الفيحاء)، وعاش فيها ردحا من الزمن.

وقد كان الفقيه العلامة صالح بن عامر الطائي مُولعًا بـ(عُمان) وأهلها، وموَّلهًا بـ(بوشر) ومحاريبها، يراها موطن الدين وأولي النُّهى، ومعقل الرضا ومهوى ذوي القربى، ومعوانا له على الصلاح والتقوى؛ ونجد هذا المعنى له في بيتين قرضهما في موطن الإجابة على سؤال استنكاري وجهته إليه امرأة على سبيل المزاحة أو المعاتبة. أوردهما محمد بن راشد الخصيبي صاحب كتاب شقائق النعُمان؛ يقول فيهما:[وقائلة: ما بالك اخترت (بوشرا)/ على سائر البلدانِ، إذ هي أحقرُ- فقلت لها: كُفِّي الملامة إنها/ بلاد الفتى مِنْ دينه فيه أوفر].

وللشيخ صالح بن عامر الطائي منظومة تؤرخ لزيارة السلطان برغش بن سعيد إلى (غلا) وهي جزء من بوشر، ونفهم من معناها أنَّ تلك البقعة كانت متنزهًا للاستجمام؛ لطيب هوائها، وارتفاع مكانها، وانعدام رطوبتها، لا ترى فيها زارية، وغير قالية، بساتينها نضرة، وأفياؤها باردة، وأفلاجها جارية. فلما حضر السلطان ليهنأ بالراحة والنقاهة بعد الاستشفاء. أنشد الشيخ قصيدة قال فيها: [جاءتك من قبل الإله العافية/ وأتتك تمشي مشية متواطية- أعطاكها الرحمن؛ إذ صرت امراءً/ أهلا لإدراك الأمور السامية- فلك الهناء بها وبالملك الذي/ أعطاكه رب القرون الماضية- والله نرجو أن نزلت بصحنها/ وغلت (غلا) فوق النجوم العالية- وتشرفت بك أهلها وبقاعها/ واستبشرت للقاك مسقط زاهيه-يا أيها الملك المعظم (برغش)/ إني رجوتك أن تفرّج ما بيه].

فلمّا خَلَفَ الشيخ القاضي صالح بن عامر الطيوانيّ من بعده ولدُه الشيخ القاضي عيسى بن صالح وقد أَشْرَبَ روحه الحَييّة من بحر الأحكام الشرعية للشيوخ والأقطاب؛ فاستبصر على أيديهم فنون الأحكام علوم السياسة والدهاء، وتمثّل بهم في قضايا الشريعة والإفتاء؛ فجمع في شخصيته بين الفقه والشعر وعلم القضاء، واستوقد ذُبالة المجاهدة من جذوة الانتصارات العُمانية في ذبِّ الأجنبيّ وطرده فاستعرت روحه الوطنية التواقة إلى الريادة والعطاء، فكان جديرًا بأن يكون الساعد الأيمن لكبار القضاة والفقهاء، فعلا في العلم نجمه، وارتفع بالإيمان والتقوى قدره، وصار مساعدًا للقضاة بمحكمة مسقط، ثم اعتلى منصة القضاء في ولاية مطرح، وانتهى به المآل أنْ نصّبه السلطان (سعيد بن تيمور) (قاضيًا للقضاة)، وأنعم عليه بالعطايا؛ فأهداه مزرعة (سيبا المال)، و(بيت الفوق) والذي صار- فيما بعد- (سبلة علمية) يرتادها العلماء والمتعلمون من كل حدب وصوب.

وفي موضع آخر نعثر على نظم للشيخ صالح بن عيسى بن صالح بن عامر الطيوانيّ (1932م- 1990م) يتغنى فيه بـ(سيبا المال) و(بوشر) في مواضع كثيرة من شعره؛ ومما قاله فيها: [ذكرتني عهد الطفولة (بوشرا)/ أيامه مرت كأحلام الكرى- وبحي (سيبا) كان مرتع أنسهم/ نالت بهم شرفا وعزا أوفرا]، في موضوع آخر نجده ينشد مفتخرا بآبائه وأجداده (الطائيين والكنود) مؤرخا لسيرة (الأماكن) التي نشأوا فيها وأصولهم التي تحدّروا منها، وبيوتهم التي نزلوا بها فيقول:[هم ملجأ للخائفين من العدا/ والمؤثرين لمن أتاهم معسرا- قد كنتمُ يا (آل طيٍّ) قدوة/ لم يبق إلا (هاشم) علم الورى- علم الشريعة قد غلقتم بابه/ وسعيتم في علم عصر قد جرى - وإذا ذكرت معاهدا في (بوشر)/ من (آل كندة) هم ليوث في الشُّرا- نارت بهم (نزوى) (السويق) وردة/ ودعاة حق لا يريدون الثرا- نزلوا بـ(بوشر) فاستقر مقامهم/ نالت به مشرفا وعزا أوفرا- وإذا نزلت بدارهم في مقحم/ لا تسمعن إلا الصلاة مكبرا]

وشاءت الأقدار أن يُورّث الشيخ القاضي عيسى بن صالح بن عامر الطيوانيّ ابنه (هاشمًا) علوم الفقه والقضاء وفنون الأدب شعره ونثره ؛ فصار علمًا من أعلامم زمانه، وجلس موضوع أبيه في (سبلة الفوق) في (سيبا المال) وكانت في هذا الزمان بمثابة مدرسة علمية وفقهية، وحلقة علم يومية؛ لا تنفض مجالسها، ولا تخبو أضواء معارفها، ولا تنقطع أحاديث أعلامها، ولا تجف أمواه فقهائها تحت ظل شجرة (الشريشة) وارفة الظلال تؤتي أكلها من فنون العلوم والآداب كل حين بإذن ربّها بصحبة المشايخ الأجلاء (إبراهيم بن سعيد العبري المفتي الأول في عُمان، وسماحة الشيخ حمد بن حمد الخليلي المفتي الثاني، والقاضي خالد بن مهنا البطاشي، والشيخ سعيد بن حمد الحارثي، والشيخ القاضي إبراهيم بن عبد الله الكندي.. وآخرون).

وكانت بوشر مسقط رأس للكثير من ذرية الطائيين ومهوى قلوبهم ومربط أشعارهم، ومسكن وجدانهم فكانت بساتينها ملاعب الصبا، وعاشوا في ظلال أفيائها، وعبّوا من مجاري أفلاجها، وقرضوا فيها الشعر وتغنوا بأيام الشباب تحت نخيلها الباسقات ونذكر منهم الشاعر صالح بن عيسى الطيوانيّ، الذي تغنَّى بها في شعره وحمَّلَ (مُفْرَدَتَها) شحنات شعورية جمّة، تناثرت في صفحات مخطوطه الشعريّ وتداولتها الألسن في صدور المجالس، و(بوشر) من القرى التي مازالت تعجّ بالعديد من الشواهد التاريخية، والآثار العمرانية.

ومن يدرس المنتوج الإبداعي وخاصة الشعريّ لعائلة الطائيين من الإخوة وأبناء العمومة والأحفاد وما خلّفته من تراثٍ أدبيّ يجد بوشر حاضرة في كل زاوية من سيرهم الذاتية، ومنتصبة كسارية بحرية في كل مخطوط تاريخي، وعلامة مضيئة في مسيرة أبناء الشيخ القاضي عيسى الطائي (حمود، وهاشم، وصالح من عقيلته خديجة [الكندية]، وحمد، ورُقية من قرينته [ثريا الطيوانية])، وذراريهم. فها هو الشاعر صالح بن عيسى الطائي يبدأ قصيدة له بمقدمة طللية بالوقوف على (بوشر) لا ذاكرا ما درس من آثارها، وإنما مستذكرا أيام الصِّبا وذكرى الأحبة. يقول فيها:[أبرق لاح من صوب القصوف/ غروبا فاستطال به وقوفي- فذاكرني الأحبة من قديم/ وأرباب المكارم والضيوف - و(بوشر) مرتع الآبا بعصر/ فلست ترى شرورا أو كخوف- وفي عصر ابن تيمور سعيد/ تصان عن المفاسد والدفوف].

 ولم تكن ذاكرة (بوشر) خُلوًا من المعالم الآثارية؛ حيث تقلّب الشاعر صالح الطائي في ملاعب صباه هناك؛ بين أعمدة مسجد "النجار"، وهو من معالم القرن الثالث عشر الهجري، وكلما أنهكه التعب برّد حرارة جسده (أيام القيظ) المحرقة بالسباحة في (فلج بو سمان)، وكم تنسّم عبق التاريخ العُمانيّ الزاهر في حوائط (حارة العوراء)، وتصعَّد ببصره متأملا في (برج ورولة)، واستمسك بجذوره المتأصلة في أرض عُمان الطيبة فانطبعت روحه بالتقاليد العُمانية الأصيلة المنبعث أثيرها طوافا بين البيوت والحارات من (سبلة فلج الشام)، ولطالما استبصر المجد المخبأ في حصن وقلعة "الفتح"، وكثيرا ما استنطق التاريخ الصامت في(بيت السيدة ثريا)، واستقرأ النفوس وحفظ سمات الشخصية العُمانية في وجوه مرتادي (سوق بوشر القديم)، وكثيرا ما استظل من لهيب الشمس هو ورفاقه الصغار من بني الحسني (محمد بن حامد الحسني- وكان أحد مالكي السيارات الثلاث في عهد السلطان سعيد بن تيمور والتي كان ينقل فيها الركّاب من بوشر إلى مطرح، ويذهب بها إلى رحلات للحج والعمرة - وحميد بن ساعد الحسني، وصديق آخر يُلقّب بالأمير) ما بين الضحى والظهيرة تحت (سور السيد برغش) وفي هذا يقول: ذكرتني عهد الطفولة (بوشرا)/ أيامه مرت كأحلام الكرى- وبحي (سيبا) كان مرتع أنسهم/ نالت بهم شرفا وعزا أوفرا].

قلعة بيت الفتح في بوشر قديما.jfif
بوشر القديمة.jpeg
الشيخ عيسى الطائي (1).jpeg
بوشر القديمة 2.jpeg
بوشر 3.jfif
KIsij.jpeg
 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z