من المتلقي الصامت إلى الشريك الفاعل

 

ريما حمزة **

بنظرة سريعة لملامح النقد التفاعلي في عصر الفيسبوك نجد أنّه لم يعد الكاتب أو الشاعر أو الناقد المعاصر قادرًا على الاكتفاء بمخاطبة قارئ ورقي صامت؛ الزمن الرقمي، خاصًة مع تصاعد هيمنة منصات التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها الفيسبوك، أعادَ تشكيل العلاقة بين النص والمتلقّي، وبين الخطاب وردّه، وبين القول وتعقيبه. لقد دخلنا حقبة جديدة من "التلقّي الحي"، الذي يفرض مشاركة المتلقّي في صناعة المعنى قارئ كفاعل ثقافي.

في هذا الفضاء، يسقط الستار بين المؤلف وجمهوره. تُنشر القصيدة، الفكرة، الرأي، وبعد لحظات تبدأ الموجة الأولى من الردود: تعليق يوافق، وآخر يساجل، وثالث يعيد التأويل من منظور شخصي أو أيديولوجي أو جمالي مختلف. أصبح النص منجزًا مفتوحًا على قراءات حية، ومستويات متعددة من التفاعل.

تحولات المشهد:

1.      النقد التفاعلي: من النخبة إلى الجماعة في السابق، كان النقد فعلًا نخبويًا يُمارس في الصحف والمجلات، أما اليوم فقد بات المتلقي العادي يؤدي دور الناقد بتلقائية وأحيانًا بعمق غير متوقع. هذه الممارسة قد لا تخضع دائمًا لأدوات النقد الأكاديمي، لكنها تعبّر عن روح زمن جديد؛ زمن التعدد واللايقين، والانفتاح على صوت الآخر.

2.      انهيار الهرمية الثقافية: لم تعد هناك مسافة طبقية أو رمزية بين الكاتب والمتلقي. في فضاء الفيسبوك، الجميع يكتب في المساحة نفسها، في اللحظة نفسها. لا توجد خشبة مسرح ولا جمهور في العتمة؛ الساحة مفتوحة تُتيح النقاش، المداخلة، الإعجاب، السخرية، وحتى النقد الجارح أحيانًا.

3.      زمنية التلقي الجديدة: النص لم يعد ينتظر القارئ في كتاب أو مجلة. صار يظهر لحظياً، ويُقرأ ويُرد عليه لحظيًا. هذه السرعة أفرزت نوعًا جديدًا من التلقّي اللحظي، حيث لا وقت للتأمل الطويل، ما يهيمن هو ردود فعل متسلسلة ومركّبة، قد تؤدي إلى إعادة كتابة المعنى أو إنتاج نص جديد

4.      تآكل صورة المؤلف المعصوم: في السابق، كان للمؤلف هيبة رمزية، أما اليوم، فهو حاضر كفرد في تفاعل مباشر مع الجمهور. المتلقي يسائل المؤلف، يطلب توضيحّا، وقد يتحداه أو يخطّئه، وهذا ما يحول الكاتب من مركز خطاب إلى جزء من شبكة دينامية من المعنى والتأويل.

ينتج مما تقدم تغيّر موقع الكاتب داخل المشهد الثقافي الرقمي؛ حيث لم يعد يمتلك رأس المال الرمزي الحصري، وبات الخطاب موزعًا ومتشاركًا بين الجميع، وأصبحت المنصات التفاعلية فاعلًا منتجًا للمعنى لا وسيطًا ناقلًا فقط، وهذا مؤشر خطير في إعادة تشكيل طبيعة النصوص وعلاقاتها، وأسهم في تلاشي الحواجز التقليدية بين المُنتج والمتلقي، ليتحوّل الجمهور إلى شريك فعلي في بناء المعنى والتأويل. الحواجز التقليدية بين المُنتِج والمتلقي تلاشت، الجمهور شريك فعلي في بناء المعنى والتأويل.

بات النص يعيش في ظل جمهوره. المتلقي شريكٌ على الصفحة، ونرى هذا التحول رغم ما فيه من فوضى، يعيد للنص حياته الأولى: بوصفه سؤالّا مفتوحًا لا إجابًة مغلقة.

إننا نشهد انقراض القارئ الصامت، وبزوغ المتلقي المحاور. وهذهِ انعطافة في مصير الكتابة نفسها.

ولكن ماذا عن أصالةِ الكاتب واستقلاليةِ الناقد وسط هذا التفاعل اللحظي، يبقى على الكاتب أن يكتب من داخله لا استجابًة لما يُطلب منه. التفاعل يُؤخذ كمرآة لا كبوصلة. الأصالة تُصان حين لا تتحوّل الكتابة إلى صدى لما يُرضي الجمهور.

أمّا الناقد، فوظيفته أن يُقلق لا أن يُعجب، أن يُعيد النظر فهو ليس خادمات ولا تابعًا ملزمٍا بأن يُعيد الصياغة وفق المزاجِ العام. استقلاليتهُ تكمن في قدرتهِ على الاحتفاظِ بمسافٍة تأويلية، وليس الانجرار خلف اللحظة.

الأصالة ليست موقفًا معلنًا، الأصالة ديناميكة فكر جدلي متحرك وممارسة مستمرة ضد الابتذال، والاستقلالية لا تعني العزلة إنّما الحضور الواعي بشروط الذات لا بشروط الفضاء.

** شاعرة وكاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z