إيران بين العدوان والصراعات الداخلية

 

 

 

أحمد بن محمد العامري

ahmedalameri@live.com

 

تحذيرات من تفكك الدولة وسيطرة قوى صهيوصليبية على المنطقة

 

تمُر المنطقة اليوم بمنعطف حرج؛ إذ تتلاقى أزمات داخلية وصراعات إقليمية ودولية في وقت واحد، ما يجعل أي قراءة مستقبلية مرتبطة بقدرة الفاعلين على فهم تداعيات كل خطوة سياسية وأمنية. في هذا السياق، تتبدى إيران كبؤرة تصادم بين إرادات خارجية وعدوان صهيوصليبي، وبين أزمة داخلية تهدد استقرار الدولة ومصير الشعب.

من خلال المتابعة الدقيقة، يتضح أن الاختلاف في المواقف من الحرب لا يرتبط بالحدود الجغرافية، بل بالخلفيات الفكرية والمذهبية والسياسية. بعض الشيعة- من غير الإيرانيين- يرون في سقوط نظام الملالي واستشهاد المرشد الأعلى السيد خامنئي- رحمه الله- خسارة رمزية لهويتهم المذهبية، فيغلب عليهم هاجس الدفاع عن النظام. في المقابل، يتخوف كثير من السنة من سقوط الدولة الإيرانية نفسها، ليس دعماً للنظام القائم، بل من منظور حماية وحدة الدولة ومنع تفككها الذي قد يجرّ المنطقة إلى فوضى واسعة واضطرابات إقليمية يصعب احتواؤها.

داخل إيران، المواطن العادي المثقل بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ينظر إلى المسألة من زاوية معيشية بالدرجة الأولى، متطلّعًا إلى تغيير سياسي يفتح آفاقًا أرحب للحريات والتنمية والاستقرار، بعيدًا عن التجارب المؤلمة لدول فشلت في الحفاظ على مؤسساتها.

العدوان الصهيوصليبي على إيران يمثل تهديدًا صارخًا لأمن المنطقة ويفتح الباب على مصراعيه لتسيد الصهاينة على المنطقة، كما يشكل خرقًا فاضحًا للمعايير الدولية. الغطرسة التي تمارسها هذه القوى لإعادة رسم خرائط المصالح بالقوة والغدر تزيد من هشاشة المنطقة وتضع مستقبل إيران وسلامتها على المحك، وتجعل أي تسوية سياسية صعبة التحقيق. إيران جار دائم وعدو مؤقت، بينما يبقى الكيان الصهيوني جار مؤقت وعدو دائم، رغم كل محاولات التطبيع.

في المقابل، تتحمل إيران مسؤولية واضحة عن تصعيد الصراع، وخصوصًا القصف للمواقع المدنية في دول الخليج، ما يضاعف معاناة المدنيين ويغذي دورة الانتقام والتوتر الطائفي والإقليمي. هذا العنف يهدد الاستقرار الإقليمي ويجعل تحقيق تسوية سلمية حقيقية شبه مستحيل إذا استمر تجاهل حياة الأبرياء.

لا مشكلة في سقوط أي نظام، إذا كان ذلك نتيجة مسار سياسي سلمي يفتح الباب أمام إصلاح حقيقي، لكن الكارثة الكبرى هي سقوط الدولة الإيرانية نفسها وتفكك مؤسساتها. الفرق كبير بين تغيير نظام حاكم وبين انهيار كيان الدولة؛ الأول يمنح فرصة لإعادة البناء، أما الثاني فيؤدي غالبًا إلى فراغ سياسي وأمني يفتح الباب للفوضى، ويعيد إنتاج سيناريوهات الفشل التي شهدتها العراق واليمن وليبيا والسودان والصومال ولبنان، حيث تآكلت مؤسسات الدولة، وسيطرت الولاءات الفرعية والطائفية على مفهوم المواطنة، وأصبحت المحاصصة أساس الحكم بدل الكفاءة وسيادة القانون.

أنا حزين جدًّا، حزنًا يفوق القدرة على التعبير؛ فرغم الاختلاف العميق مع سياسات إيران وأجندتها في المنطقة العربية، لم أكن أتمنى أن تصل الأمور إلى هذه النهاية القاسية. فالخلاف السياسي لا يعني الشماتة بالمآسي، ولا التمني بانهيار يسدد فاتورته الأبرياء، ما يؤلم حقًا أن تتراكم الخسائر إلى حدٍّ يمسّ الجميع وأن يصبح الاستقرار والسلام حلمًا مؤجلًا في منطقة أنهكتها الحروب والفوضى.

في هذا السياق، هناك حاجة ملحة لإدانة العدوان الصهيوصليبي على إيران، مع دعوة المجتمع الدولي إلى فرض ضوابط صارمة على التدخلات الخارجية، ومنع أي قوى من تحويل المنطقة العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات. وفي الوقت نفسه، يجب على إيران التحلي بالمسؤولية، ووقف استهداف المدنيين في دول الخليج، وفتح قنوات حوار صادق لبناء مسارات سلمية تقي الشعوب المزيد من الألم والمعاناة.

في النهاية، تبقى الشعوب هي الثابت الحقيقي، بينما الأنظمة تتغير وتتعاقب. التحدي اليوم ليس إسقاط نظام أو الانتصار على خصم؛ بل حماية الدول من التفكك وصون المنطقة من الانقسامات، وبناء مسارات انتقال تحفظ وحدة الأوطان وتؤسس لدول مواطنة وقانون تتسع لجميع أبنائها دون تهميش أو إقصاء.

حفظ الله إيران وشعبها، وكتب للمنطقة السلام والأمن والاستقرار في زمن تتكاثر فيه العواصف وتضيق فيه الخيارات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z