مرفت بنت عبدالعزيز العريمي
ضجت شبكات التواصل الاجتماعي بعد نجاح الاتفاق السري والذي تمَّ في كواليس جروبات واتساب؛ حيث تداول النشطاء الأمر كفوز عظيم وإنجاز يستحق الثناء والتأييد.. وبعد أيام من النجاح الساحق قرأت منشوراً لأحد النشطاء يستعرض ما إن كان يمكن للجروب أن يحقق نجاحا آخر ويتغيب طلاب المدارس كل أيام الخميس من شهر رمضان!
فقد حظي التحريض الذي قام به "جروب الأمهات" قبل الأول من رمضان بتفاعل واسع بين جمهور شبكات التواصل بين منبهر ومستنكر ومعترض ومحايد، تتنوع الدوافع النفسية والاجتماعية التي تجعل من أولياء الأمور المحرضين على الغياب، إلا أنها عادة ما تتلخص في نظرة قاصرة للعملية التعليمية.
ما لفت انتباهي التفاعل السلبي من قبل النشطاء في شبكات التواصل الاجتماعي مع الفكرة وكأن الموضوع عادي جدا وليس به ضرر.. ألا يوجد بين النشطاء رجل رشيد يدرك أن الترويج للسلوك السلبي له تبعات على المجتمع وأن كل منشور نحن مسؤولون عنه؟
الأمهات هن قدوات والمدرسة الأولى للطفل قيامهن باتخاذ مثل هذا القرار كان تصرفاً غير حكيم بغض النظر عن أسبابهن وإن كنت أعتبر لا يوجد سبب أن تحرض الأم بقية الأمهات على مثل هذا السلوك. السلوك الذي يعبر عن الكثير.. الصوم لا يتناسب مع الدوام.. إن يومًا دراسيًا واحدًا غير مهم.. لا ضير من عدم انضباط الطالب.. التعليم موضوع هامشي ورفاهية الطالب والأسرة أهم من التعليم.. وقت الكوادر التعليمية الذين يقضون ساعات طوال للتحضير للمنهج ومحاولة الالتزام بخطة العام الدراسي.. غير مهم.. أن تتراكم الدروس غير مهم.
نفس أولياء الأمور الذين يحرضون أبناءهم على التغييب قد تراهم نهاية كل عام يستنكرون تعثر أبناءهم دراسيا ويتهمون الإدارة المؤسسة التعليمية بالتقصير!
للتعليم قدسية وحرمة فإذا كنا نحقر من قيمة المعلم والمؤسسة التعليمية فإن هذا الانطباع ينعكس على أداء الطلاب الذي سيحذون حذو آبائهم ولن يتوقف الأمر عند هذه النقطة؛ بل سيتفاقم أبعادها على المنظومة التعليمية كلها وعلى الطالب نفسه الذي سيتصرف على هذا الأساس. هذا السلوك سيكبر مع الطفل وسيعتبر أن تحمل المسؤولية والانضباط موضوع قناعة غير ملزمة.
ليس غريبا ونحن نرى قبل كل إجازة رسمية أو أسبوعية فراغ المؤسسات من الموظفين متسربين إلى وجهات أخرى غير عابئين بنتائج تأخيرهم لمصالح الناس.. فالعمل عبادة كالعلم أيضًا.. هل بات التعليم مسألة هامشية أو شرًا لا بُد منه، وهل يعد الانضباط والالتزام مسألة قابلة للنقاش؟
لن تستطيع المؤسسات التعليمية ان تؤدي دورها بكفاءة من دون تعاون الأسر وأولياء الأمور لما فيه مصلحة الطالب فالمدرسة ليست للعقاب والتعليم ليس كتب ومناهج؛ بل سلوكيات وأنظمة وقيم أخلاقية يكتسبها الطالب طوال سنوات الدراسة.
إن ظاهرة الغياب الجماعي قبل الإجازات الرسمية مشكلة تعاني منها المؤسسات التعليمية لذلك اتخذت الدول إجراءات تأديبية وقانونية بين الخصم من الدرجات إلى تعهد كتابي من أولياء الأمور بعدم التكرار وهناك من طبق غرامات مالية.
في الولايات المتحدة تستخدم المدارس تطبيقات خاصة يسمح للمعلم بفتح وغلق باب النقاشات في أمور هامشية، اما في المملكة المتحدة فان أولياء الأمور يوقعون على ميثاق سلوك رقمي تمنع التحريض والغياب الجماعي.
بالرغم من أهمية وجود جروب أولياء الأمور سواء أكان للأمهات أو الآباء للتواصل مع إدارة المدرسة في أرساء قيم التعليم والتعاون، فإن هذه الجروبات تتحول إلى أداة ضغط نفسي واجتماعي؛ فبمجرد اعتذار بعض الأمهات عن حضور أبنائهم تشعر بقية الأمهات بالقلق من عدم جدوى اليوم الدراسي، فيعم الغياب للفصل الدراسي أكمله او ما يسمى بتأثير الدومينو. حتى لا يتحول الأمر إلى ظاهرة تفقد المؤسسة التعليمية هيبتها، من المهم ان يتم نشر توعية رقمية عن الآثار السلبية لمثل تلك الاتفاقات؛ فالسكوت على الأمر وتجاوزه سياتي بنتائج وخيمة على الطالب والأسرة والمؤسسة التعليمية على المدى الطويل.
في المرة المقبلة التي ينشر فيه دعوات الغياب فكر في مصلحة طفلك ولا تنقاد وراء دعوات الآخرين السلبية وحاول أن تعبر عن رأي مناهض لما فيه مصلحة طفلك؛ فهناك معلمون على أهبة الاستعداد أن يُدرِّسوا طفلًا واحدًا التزم بالحضور واحترم المعلم الذي جاء من أجله.
