مرفت بنت عبدالعزيز العريمي
شعرت من نبرة صوته بأني قد مسست الوتر الحساس، وأن الأفكار كثيرة والمقترحات واعدة إلا أنها تواجه بعض المطبات من هنا وهناك، والمسألة قد تحتاج إلى وقت وتشريعات ووعي مجتمعي وتعاون أكبر من الجميع فاليد الواحدة لا تصفق. سؤالي أثار الشجون في نفس هذا الموظف المتحمس الذي لم يتقاعس عن العمل حتى في الإجازة الأسبوعية تلبية لنداء الواجب.
كان حديثاً مشوقاً تعرفت من خلاله عن التحديات التي يواجهها الموظف الميداني في ولاية كبيرة مترامية الأطراف، غالبا ما ينفر الناس من العمل في الإجازات حتى يحظون بوقت راحة أطول، لكن هذا الموظف عمل بجد في يوم الجمعة، رأيت حماسه وهو يساعد العمال ويوعي الزائرين.
شعرت بطاقة إيجابية في المكان، فقد أصبح المكان نظيفا خاليا من الأتربة المتراكمة على الأرصفة ومن بقايا الطعام و الحب الشمسي والأكياس المتناثرة.
وماذا بعد التلوث ورمي النفايات التي تعاني منها شواطئ السيب أكبر ولايات محافظة مسقط بالرغم من الجهود التي تقوم بها البلدية؟ ماذا يمكننا أن نفعل كمستفيدين من هذا المتنفس غير إماطة الأذى عن الطريق ...فمسؤولية الاهتمام بشاطئ السيب ليست منوطة بجهة بعينها فلكل جهة مسؤولية محددة يجب أن تتكامل حتى تكلل الجهود بالنجاح..
وما زالت المحصلة النهائية ماهي إلا عبارة عن جهود فردية من هنا وهناك فكل يوم نفايات الزائرين والصيادين وأخرى تتخذ من الشواطئ مكباً للنفايات .سألته ماذا ينقصنا حتى نحقق الهدف؟ قال: كموظف أعمل في الميدان لسنوات، فإن أكبر تحدٍ نواجهه في ولاية السيب مساحة التغطية التي تتجاوز عشرات الكيلومترات والتحديات التي نواجهها بالشاطئ ما هي إلا غيض من فيض، فالولاية كبيرة من حيث المساحة وعدد السكان والأنشطة.
فحجم العمل كبير جدا ولا يتوقف عند التنظيف، نحن بحاجة إلى خطة لتنظيم الشاطئ والمرافق الخدمية كواجهة سياحية للولاية الإمكانيات الطبيعية متوفرة، لكن ما ينقصنا المزيد من التنظيم والترتيب والمراقبة الفاعلة وتفعيل المخالفات. كان يتحدث بدراية وعمق يعكس ملامسته للواقع اليومي الذي يواجهونه كموظفين من الميدان أثلج صدري رؤيته بهذا الحماس وهو فرد واحد ضمن فريق عمل محدود مقارنة بمساحة وعدد سكان الولاية، لقد بات الحماس نادرا فهموم الحياة قد تثقل كاهل أيٍ منَّا، فالهموم كثيرة ولا تنتهي عند أحد
نحن لا نشعر كأفراد سواء مواطنين أو مقيمين بالحجم الفعلي للعمل حتى تبقى شواطئ السيب جميلة ومنظمة، فكل ما نراه من نفايات ينتهي في البحر مما يهدد البيئة البحرية وسلامة مواردنا الطبيعية ناهيك عما يسببه ذلك من تشويه للمنظر العام.
من خلال الحديث معه شعرت بأنه كنز من المعلومات، استسقاها من أرض الواقع استطاع في وقت قصير أن يصف لي المشكلة ويشرح الحلول، فتعامله اليومي مع مشكلات الميدان يجعله الأكثر كفاءة في وضع الحلول وتطوير الخدمات.
الموظف الميداني يختصر الطريق على المؤسسة فهو بيت خبرة بحد ذاته فتجاربه اليومية واحتكاكه بالمشكلات ومبادراته لتحقيق توزان بين مانح الخدمة ومريدها هو الحلقة الأقوى بالمؤسسة الحلقة التي تربط بين كل الخيوط فتصبح الخدمة ممتازة، فنحن لا نحتاج إلى بيوت خبرة عالمية وتجارب مستوردة فلكل مجتمع خصوصياته وثقافته والأفكار المستوردة تظل معلبة لا تنجح في أحيان كثيرة وقد تشكل هدرا للموارد ومضيعة للوقت ناهيك أن منح الثقة للموظف وإشراكه في خدمة مجتمعه يعزز من ولاءته وينمي روح المبادرة لذلك غالباً ما نجد في الكثير من التجارب العالمية أن موظف الميدان يمنح صلاحيات أكبر ويشرك في اتخاذ القرارات المؤسسية أكثر من الموظف الإداري.
قد لا يدرك البعض من موظفي الميدان أن أصواتهم مهمة وأن آراءهم قد تحدث فرقاً لكن قد ينقصهم بعض التشجيع من الإدارة العليا بالمؤسسة، أو قد لا يملكون مهارات التواصل المناسبة لإيصال مقترحاتهم، فالبعض يخجل والآخر يخشى أن يساء فهمه.
فعلى المؤسسات أن تضع آليات مناسبة للاستفادة من خبراء الميدان هم ليسوا مجرد موظفين بل بنك معرفة.
تركته يواصل عمله مع الفريق بنفس النشاط فالآمال الكبيرة تدفعنا إلى العطاء اللامتناهي.. غادرت الشاطئ سعيدة وأنا أشاهد أبناء الوطن وهم من يسعون إلى نشر الوعي وتوجيه العمالة والزوار في الشواطئ بكل ذوق وحكمة دون كلل أو ملل .
هي ليست المرة الأولى التي أتناول فيها موضوع الشواطئ،لكن المختلف لقاءي بنموذج مشرف من شبابنا ممن يعملون في الميادين بموارد قليلة وصلاحيات محدودة كان بإمكان ذلك الموظف الميداني أن يختار العمل المكتبي والابتعاد عن الشمس الحارقة وتوفير طاقته في الأعمال الروتينية. استغربت أكثر عندما علمت أنه موظف منتدب منذ أعوام أي أنه غير مستقر وظيفياً، إلا أن هذا لم يجعله يتراجع عن أهدافه، فرؤيته كانت أكبر من مقعد خلف طاولة باردة، كم أتمنى أن أصادف في أيامي القادمة نماذج أصحاب رؤى يخدمون الوطن بروح إيجابية.. شكرا لكل من يرى في خدمة الوطن هدفا أسمى وفق الله مساعيكم الطيبة .
