ساعة الباطل توشك أن تنقضي.. "فيا خيل الله اركبي"

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

حين صدح القعقاع بن عمرو في أتون معركة القادسية بهتافه الخالد "يا خيلَ اللهِ اركبي" لم يكن يستنفر جيشًا فحسب، بل كان يفتح صفحةً جديدة في تاريخ فارس، يوم كانت تحت سلطان الدولة الساسانية تدين بالمجوسيّة. فجاءها الإسلام فبدّل وجه التاريخ؛ فأطفأ نارًا، وأوقد نورًا، وأسقط تاجًا، ورفع راية، ونقل الأرض من حكم الأكاسرة إلى شرف الانتماء لأمّة محمد عليه الصلاة والسلام.

ومن قبل القادسية كان في المدينة رجلٌ من فارس هو سلمان الفارسي، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم "سلمانُ منّا أهلَ البيت" لم يكن انتسابًا للنسب، بل تشريفًا بالإيمان والولاء، وإعلانًا أن هذا الدين جمع العربي والفارسي تحت راية واحدة.

تلك الأرض التي أنجبت سلمان ودوّى فيها نداء القادسية ليست صفحةَ ثأر؛ بل شاهدَ وِحدة. واليوم حين تُحشد الأساطيل لتهديد إيران، يأتي التذكير بأن هذه الأرض التي أضاءها الإسلام، لا تُترك لأحد ليعبث بها، وأن رفع الظلم عنها أولى من التصفيق لمن يريد إخضاعها وكسر هيبتها.

أيُّ ساعةٍ تُدَقُّ في الإقليم؟

حشودٌ عسكرية، تصريحاتٌ نارية، أساطيلُ تتقدّم نحو المياه الدافئة وكأن حربًا كبرى على الأبواب. والسبب المعلن: الخطر الإيراني.

لنطرح السؤال بلا لفٍّ ولا دوران: هل اعتدت إيران على الولايات المتحدة أم العكس؟ هل عبرت الأطلسي لتهدّد واشنطن؟ هل غزت دولةً من دول الجوار؟

منذ عام 1979 لم تتغيّر الخرائط، لكن تغيّر مركز القرار في إيران. سقط نظامٌ كان جزءًا من المعادلة الغربية، وقامت دولة أعلنت صراحة أنها لا تدور في الفلك الأميركي، فاشتدّت القطيعة الغربية، وبالتبعية العربية. هنا بدأ الاشتباك الحقيقي؛ لأن القرار خرج من بيت الطاعة. لم يكن الخلاف على حدود، بل على سيادة. ولم يكن الصراع على نفوذٍ عابر، بل على من يملك قراره خارج الوصاية.

فهل المشكلة في السلاح؟ أم في استقلال الإرادة وحراسةِ السيادة؟

ولستُ هنا محاميَ مذهبٍ ولا وكيلَ طائفة. لسنا في محكمة سنّيٍّ وشيعيٍّ ولا في بازار تخويفٍ من “تصدير مذهب”. تلك أدوات مُسيَّسة صُرِفَت بها الأبصار عن جوهر المعركة.

أنظر إلى البوارج تقترب وحاملات الطائرات تتموضع لا لتُصحّح عقيدةً؛ بل لتكسر هيبة آخر دولةٍ في الإقليم ما زال قرارها خارج الوصاية الكاملة. فإن كُسِرَت فتحنا الأبواب بأيدينا لمن لا يُخفي أطماعه من النيل إلى الفرات.

المسألة ليست: من يُصلّي على أيِّ هيئة؟ بل: من يملك قراره ومن يُملى عليه قراره!

معيارٌ مزدوج وعدالةٌ مُجزَّأة

يُطلب من إيران خفض التخصيب، وتجميد الصواريخ، والتخلّي عن حلفائها. باختصار: أن تُفرَّغ من عناصر قوّتها السياديّة.

لكن لماذا يُفرض ذلك على طرفٍ واحد؟ إذا كان المعيار منع الانتشار النووي، فهل يُطبَّق على الكيان الغاصب؟ وإذا كان دعم الحلفاء جريمة، فلماذا لا تُلام أمريكا على دعمها للكيان المحتل، وعلى قواعدها وتحالفاتها العابرة للقارات؟

العدالة إن جُزِّئت سقطت والقانون إن انتُقي سقطت شرعيته.

تصريحٌ يكشف المستور

ثم يخرج ما يُسمّى بالسفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال مايك هاكابي ليقول بصلف "إن المنطقة من النيل إلى الفرات حقٌّ توراتي للكيان الصهيوني"!

أطماعٌ تُقال بلا مواربة، واختبارٌ لنبض الأمة. هناك فرعون هذا العصر يحشد القوات لضرب دولة مسلمة، وممثّلٌ له في الكيان الغاصب يمنح شرعية اغتصاب أراضٍ عربية لمن احتل أرضًا لا حق له فيها. أليس هذا كافيًا لانعقادٍ طارئ لـجامعة الدول العربية؟ أو لـمنظمة التعاون الإسلامي؟

أم أن الخرائط حين تُقسَّم على الشاشات لا تستحق سوى بيانٍ عربيٍّ إسلاميٍّ باهتٍ وممجوج؟

إن المصيبة ليست في فم القائل وحده، بل في صمت السامعين.

إلى متى يظل قرار أمّتنا رهين رضا واشنطن وتهديد تل أبيب؟

السيادة لا تُستأذن، والكرامة لا تُباع ببرقيات. من يركع اليوم يكتب بيده لحظة سقوطه غدًا. ومن يترك موقعه في معادلة القوة يُملأ مكانه بوصايةٍ لا تُستأذن، ويبقى عاجزًا عن حماية نفسه أو من اؤتُمن عليهم.

"الميزان القرآني"

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [سورة البقرة: 190]

﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: 194]

من الذي يحتل أرضًا ليست له؟ من الذي يملك سلاحًا خارج أي رقابة؟ ومن الذي أُعطيَ الطائرات القاتلة فأباد بها أخيار الأمة وما زال يعربد بها في أجواء الدول العربية؟

صرخة حارقة

هي صرخة الأحرار، موجَّهةٌ لمن حملوا الأمانة على أعناقهم.

وأيمُ الله، لقد حانت الساعة أن ترتقوا إلى مستوى المسؤولية، وأن تقولوا لفرعون هذا العصر:

"لا لضرب إيران" وأن تردّوا ردًا يوازي الوقاحة التي صدرت عن ممثّله في الكيان المحتل، ردًا يُصفَع به الكِبْر على ناصيته. أو ارفعوا قبضتكم الفولاذية عن صدور شعوبكم؛ فالشعوب تعرف ماذا تقول، وكيف تفعل.

وحينها فقط يتحوّل الموقف من عليكم عتابًا إلى لكم تأييدًا.

الأكثر قراءة

z