آية السيابي **
هل تساءلت يومًا لماذا لم يعُد تركيزك مُكثّفًا كما كان؟ وهل لاحظت أن قدراتك الإنتاجية والذهنية بدأت بالتراجع؟ انهمار التطبيقات الذكية اليوم أصبح يُغذينا بالخمول الجسدي والفكري بشكل بطيء. يتسلل لنا هذا الخمول كلص محترف يحرص ألا يترك خلفه أثرًا.
لكن الأثر نشعر به بعد أن أصبح إدمان الهاتف النقال صفة اعتيادية في الإنسان، وبات من ليس ضمن زمرة المُدمنين هو الشاذ المختلف الذي قد تُطلَق عليه النِكات وصفات الرجعية. أعلمُ أن الهاتف المحمول ساعدنا كثيرًا، وأننا اليوم نرزح تحت ظل عصر الفائض المعلوماتي، الذي لا يكلف المرء إلّا أن يفكر في السؤال فقط. وقد يتطوع لك تطبيق ما ويفكر عنك أيضاً. كل ما تحتاجه فقط هو أن تنقر بأصابعك على شاشة هاتفك وتعكف على قراءة الإجابات والأفكار، وحتى إن كانت القراءة تُرهقك، فبإمكان هذا الجني الصغير أن يقرأ لك أيضًا، ما يحيلنا إلى أن التركيز والقدرة الذهنية اقتلعت من فطرتها. لتستبيحها الرأسمالية الفجة.
لقد أصبح العقل البشري سلعة اقتصادية ثمينة تُستثمر وتُباع وتُشترى، في نموذج عرف بمصطلح اقتصاد الانتباه (Attention Economy) الذي طرحه عالِم الاقتصاد هيربرت سايمون منذ سبعينيات القرن الماضي، يشير إلى أن وفرة المعلومات تُفضي إلى فقر في الانتباه؛ لأن قدرة الإنسان على التركيز محدودة، بينما تتسابق المنصات الرقمية لجذب تلك القدرة وتحويلها إلى أرباح.
الهواتف الذكية والتطبيقات بأنواعها هي آليات مدروسة لجذب انتباه المستخدم وإبقائه مشغولاً بها لأطول فترة ممكنة. ومن هنا تبدأ الخوارزميات تتعرف عليك وتعرف اهتماماتك، وترقب سلوكك بعين يقظة، وما يلفتك وتتوقف عنده، وما تتفاعل معه من محتوى؛ فتُغدق عليك كل ما يُثير شغفك ويطيل بقاءك مشدوها أمامه وبالتالي، تستمر بالتصفح. هذا التصميم النفسي الاقتصادي يخلق حالة من الإدمان الرقمي؛ فتبقى مترقبًا أمام شاشتك، ترصد الإشعارات، وما هذه الفيديوهات القصيرة، والمحتوى المُتناسِل الذي لا ينقطع، إلّا أدوات لجذب الانتباه، وإبقائه في حالة تأهب دائم تُشبه حلقة لا تنقطع من المنبهات التي تجعل الدماغ في حالة «انتباه جزئي مستمر» بدلًا من تركيز عميق ومنهجي، ما يترتب عليه عدة مخاطر؛ منها: تشتت الانتباه، ضعف الذاكرة العاملة والتخطيط بسبب التنقل السريع بين محتوى وآخر وهو ما يقلل من فرص تثبيت المعلومات في الذاكرة، انخفاض الإنتاجية، والإفراط في الاستهلاك الرقمي والتعب الذهني العام بسبب التعرض المستمر للإشعارات والرسائل التي تجعل الدماغ في حالة استجابة مستمرة يؤدي ذلك الى إرهاق معرفي ويقلّل من السعة الذهنية المتاحة للتفكير العميق والإبداع. فضلًا عن أن كثرة استخدام وسائل التواصل ترتبط بزيادة أعراض ضعف الانتباه لدى الأطفال والمراهقين؛ حيث تشير دراسة حديثة إلى ارتفاع أعراض تشتت الانتباه المرتبطة بكثرة استخدام التطبيقات الاجتماعية في سن صغيرة.
ما يحدث اليوم هو تغيير في العادات الفطرية وإعادة تشكيل لطريقة عمل عقولنا وتوزيع طاقتها بين ما هو مُستعجل وجاهز وبين ما يحتاج إلى تفكير عميق وتحليل. ولكن، هل نتمكن مع كل هذه التحديات من استعادة الانتباه؟ بالطبع يمكن! وذلك بانتزاعنا من السوق الرأسمالي والوعي بهذا الاقتصاد الجديد ووضع استراتيجيات واضحة للتحكم في استخدامنا الرقمي.
قد نبدأ بتحديد أوقات غير مُتصلة، وقراءة الكتب في المجالات التي تنشط رغبة القراءة لدى كل منَّا. نحتاج حقًا إلى السعي نحو الحفاظ على قدراتنا الذهنية والإنتاجية؛ لأنَّ هذا ما يُميّز بني البشر.
** كاتبة وروائية عُمانية
