اقتصاد الحرب: حين تصبح الكلفة هي المعركة (7- 9)

 

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

 

ثالثًا: الأطفال والشباب وفقدان المستقبل

الأطفال هم الحلقة الأكثر هشاشة في الكلفة النفسية والاجتماعية للحرب. الطفل لا يفهم الحسابات الاستراتيجية، ولا يميز بين منشأة عسكرية ومنشأة مدنية، ولا يدرك معنى الردع أو التوازن النووي. ما يعرفه هو صوت الانفجار، وخوف الكبار، وتعطل المدرسة، وغياب اللعب، وانقطاع النوم. ولذلك فإن الحرب تسلب الطفل ما هو أكثر من الأمان الجسدي؛ تسلبه انتظام العالم.

الأطفال لا يفهمون الحرب بالتحليل السياسي، بل يختبرونها في شكل أصوات، غياب، خوف، انقطاع مدرسة، ووجوه قلقة حولهم. الشباب بدورهم يدفعون ثمنًا مختلفًا: ضياع فرص التعليم والعمل، تراجع الهجرة المنظمة، ازدياد الهجرة القسرية، وانكسار الثقة بالمستقبل. وهذا يخلق جيلًا أكثر تشاؤمًا، وأقل استعدادًا للمخاطرة الإيجابية، وأكثر ميلًا إلى الانسحاب أو الغضب.

تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة "UNICEF" أن الأطفال في الأزمات الإنسانية والنزاعات قد يتعرضون لإصابات جسدية ونفسية شديدة، وأن تعرضهم للحروب والكوارث والأزمات الإنسانية يمكن أن يترك آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة، خصوصًا عندما تتضرر المدارس والمستشفيات والمنازل.

وتشير دراسات منشورة في International Review of the Red Cross إلى أن آثار الحرب على الأطفال لا تنحصر في الأعراض النفسية المباشرة، بل تمتد إلى علاقاتهم الأسرية، وصداقاتهم، ونتائجهم التعليمية، وقدرتهم على طلب الدعم الاجتماعي، وشعورهم بالقبول داخل المجتمع. كما تبين هذه الأدبيات أن عوامل ما بعد النزاع، مثل الدعم الأسري والفرص الاقتصادية والقبول المجتمعي، تؤثر بقوة في المسارات النفسية للأطفال والشباب.

أما الشباب، فإن الحرب تضعهم في مواجهة أزمة معنى. فهم في مرحلة يفترض أن ترتبط بالتعليم والعمل وبناء الأسرة والمشاركة السياسية والاجتماعية، لكن الحرب تعطل هذه المسارات. قد تتوقف الدراسة، تتراجع فرص العمل، تصبح الهجرة خيارًا ملحًا، ويتحول المستقبل إلى فكرة غير مضمونة. وإذا شعر الشاب أن بلده لا يقدم له سوى الخوف والعقوبات والحرب، فقد ينسحب من الشأن العام، أو يبحث عن الهجرة، أو يتجه نحو الغضب والتطرف، أو يفقد الثقة في المؤسسات كلها.

هذه الخسارة ليست نفسية فقط، بل تنموية أيضًا. فكل جيل يعيش الحرب في مرحلة تكوينه يحمل آثارها في علاقته بالتعليم، والعمل، والسياسة والمجتمع. والحرب التي تطول لا تدمّر سنة دراسية واحدة، بل قد تعيد تشكيل وعي جيل كامل.

رابعًا: النزوح وفقدان المكان

من أكثر آثار الحرب قسوة أن الإنسان قد يفقد مكانه. والمكان ليس جغرافيا فحسب، بل هو ذاكرة، وهوية وروتين وعلاقات. البيت، الشارع، الجار، المدرسة، المقهى، السوق، طريق العمل، كلها عناصر تصنع إحساس الإنسان بأنه يعيش في عالم يعرفه. عندما تجبر الحرب الناس على النزوح أو التفكير في الهجرة، فإنها لا تنقلهم من مكان إلى آخر فقط، بل تقتلع جزءًا من علاقتهم بأنفسهم.

في الحالة الإيرانية، يكشف نزوح السكان من المدن الكبرى أو التفكير في مغادرتها عن أثر نفسي عميق: الوطن لم يعد يبدو آمنًا بالقدر الكافي. وحتى من لا يغادر فعليًا قد يعيش ما يمكن تسميته “النزوح النفسي”، أي أن يبقى جسده في المكان بينما يعيش ذهنه في خطط الهروب: أين نذهب؟ من نستدعي؟ هل نملك المال؟ هل الطريق آمن؟ هل الحدود مفتوحة؟

وتشير منظمة الصحة العالمية في أدبياتها حول صحة اللاجئين والمهاجرين إلى أن الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة والانتحار تكون أكثر انتشارًا بين اللاجئين والمهاجرين مقارنة بالسكان المضيفين، وذلك بسبب تراكم الضغوط قبل الرحلة وأثناءها وبعدها، بما في ذلك فقدان الحماية الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى الخدمات.

ولا يقتصر النزوح على إيران. ففي إسرائيل أيضًا قد تضطر أسر إلى الانتقال مؤقتًا أو البقاء في الملاجئ أو تجنب مناطق معينة بسبب التهديد الصاروخي. وفي الولايات المتحدة، يظهر شكل مختلف من النزوح النفسي لدى أسر الجنود أو الجاليات المرتبطة بالمنطقة، حيث يعيش الناس خوفًا على أقاربهم أو على مصير الحرب. وفي دول الخليج، قد لا يحدث نزوح مباشر، لكن القلق من اتساع الحرب يعيد تشكيل الإحساس بالمكان الإقليمي كله.

خامسًا: الأثر الإقليمي والخليجي

لا يمكن عزل الكلفة النفسية والاجتماعية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن محيطها الإقليمي. فالشرق الأوسط ليس مجموعة جزر منفصلة. أي حرب واسعة مع إيران تؤثر في الخليج والعراق ولبنان وسوريا واليمن، وتؤثر في الجاليات والعمالة والأسواق والمدارس والمطارات ومشاعر الناس. وحتى إذا لم تتعرض دولة خليجية لهجوم مباشر، فإنها تعيش القلق من اتساع الحرب، وتعطل الملاحة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الثقة الاستثمارية، واحتمال استهداف القواعد أو المنشآت.

في دول الخليج تحديدًا، تأخذ الكلفة النفسية طابعًا خاصًا لأنها مرتبطة بالقرب الجغرافي من إيران وبأمن الطاقة وبمضيق هرمز وبوجود جاليات متعددة. المواطن الخليجي قد لا يسمع القصف، لكنه يعيش صدى الحرب في الأخبار والأسواق والخطط العائلية. هل نسافر؟ هل تتأثر الأعمال؟ هل ترتفع الأسعار؟ هل تستهدف المنشآت؟ هل يتحول الخليج إلى ساحة رد؟ هذه الأسئلة تصنع قلقًا اجتماعيًا حتى من دون سقوط صاروخ واحد.

كما أن الجاليات الإيرانية والعربية والآسيوية في الخليج قد تعيش ضغوطًا مضاعفة. فهناك من يخاف على أهله في إيران، ومن يخاف على وضعه القانوني أو الوظيفي، ومن يشعر بأن الحرب قد تثير حساسيات سياسية أو مذهبية داخل بيئة العمل أو المجتمع. وبذلك تصبح الحرب عاملًا ضاغطًا على التعايش اليومي، حتى إذا بقيت المؤسسات الرسمية محافظة على الاستقرار.

ولا بُد من الانتباه إلى أن المجتمعات التي عاشت حروبًا سابقة لا تستقبل الحرب الجديدة بذاكرة فارغة. حرب الخليج، غزو العراق، الحروب في اليمن وسوريا ولبنان وغزة، كلها شكلت ذاكرة إقليمية تجعل الناس أكثر حساسية تجاه احتمال التصعيد. لذلك فإن الحرب على إيران لا توقظ خوفًا جديدًا فقط، بل تعيد تنشيط مخاوف قديمة.

********************

** تنويه: الكاتب استعان بمجموعة من برمجيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياتها، إضافة إلى محركات البحث، من بين الأهم فيها:

https://chatgpt.com

https://www.perplexity.ai/

https://gemini.google.com

https://www.copilot.com/

https://www.genspark.ai

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z