عبيدلي العبيدلي **
تشير أحدث المعطيات إلى أن مضيق هرمز أصبح محور الصدمة الاقتصادية؛ فصندوق النقد الدولي يذكر أن نحو 25% إلى 30% من النفط العالمي وقرابة 20% من الغاز الطبيعي المسال يمران عبر المضيق، وأن قنوات انتقال الأزمة الرئيسة هي الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأسواق المالية. كما خفّض البنك الدولي توقعات النمو في المنطقة، متوقعًا تباطؤ نمو دول مجلس التعاون من 1.3 في العام 2025 إلى 4.4% في العام 2026 بسبب الصراع وإغلاق هرمز وتضرر البنية التحتية.
لكن وكما سبق أن أشرنا في الحلقات السابقة، تفقد الرؤية الشاملة التي تغفل الإشارة إلى الجوانب الأخرى التي تكمل مكونات صورة التكلفة الشمولية لحرب مثل هذه الحرب. فالكلفة النفسية والاجتماعية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لا تقل خطورة عن كلفتها العسكرية والاقتصادية. بل إن أخطر ما فيها أنها تنتج صدمة طويلة الأمد: خوف جماعي، قلق وجودي، انقسام اجتماعي، تآكل ثقة الناس بالدولة وبالمستقبل، وتعطّل الحياة اليومية للأسر، والطلاب والعمال والشركات. أما اقتصاديًا وماليًا، فهي حرب تتجاوز إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لأنها تضرب الطاقة، الشحن، التأمين، العملات، التضخم، الاستثمارات، الموازنات العامة، وأسواق المال في الخليج وآسيا وأوروبا والعالم.
وعليه لا يمكن إغفال الجوانب الأخرى التي لا تقل تأثيرتها المباشرة وغير المباشرة على كلفة الاقتصاد التي تولدها حروب مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، ومن ثم يمكن رصد أهم معالم تلك الأكلاف على النحو التالي:
أولًا: الكلفة النفسية والاجتماعية، اضطراب ما بعد الصدمة: الصدمة النفسية هي إحدى النتائج الأكثر عمقًا للحرب. لكنها لا تظهر دائمًا في اللحظة الأولى. قد يبدو الإنسان متماسكًا أثناء القصف أو الهروب أو الطوارئ، ثم تبدأ الأعراض لاحقًا: الأرق، الكوابيس، الحساسية المفرطة للأصوات، سرعة الغضب، فقدان التركيز، الشعور بالذنب، الانسحاب الاجتماعي، أو الخوف المستمر من تكرار الحدث. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطراب ما بعد الصدمة قد يظهر بعد التعرض لأحداث مرعبة أو مهددة للحياة، وأن الدعم الاجتماعي من الأسرة والأصدقاء يمكن أن يقلل خطر تطوره.
في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لا تتعلق الصدمة فقط بمن تعرضوا للقصف المباشر، بل تمتد إلى من عاشوا الانتظار والتهديد وعدم اليقين. فالطفل الذي لم يُصب، لكنه سمع الانفجارات ورأى خوف والديه، قد يحمل أثرًا نفسيًا عميقًا. والأم التي لم تفقد أحدًا، لكنها عاشت خوفًا دائمًا على أبنائها، قد تخرج من الحرب بإرهاق نفسي مزمن. والجندي الذي عاد إلى بيته قد يظل عالقًا في صور الحرب وأصواتها حتى بعد انتهاء العمليات.
والأهم أن الصدمة ليست طبية فقط؛ إنها اجتماعية أيضًا. فالفرد المصاب بالصدمة لا يعيشها في عزلة، بل ينقل بعض آثارها إلى أسرته ومحيطه. الأب القلق قد يصبح أكثر عصبية مع أبنائه. الطفل المذعور قد يفقد قدرته على الدراسة. الشاب المصاب باليأس قد ينسحب من الحياة العامة. وهكذا تتحول الصدمة من خبرة فردية إلى سلسلة من الآثار المتداخلة داخل المجتمع.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن آثار الحرب النفسية والاجتماعية لا تقف عند الأفراد، بل تشمل العائلات والمجتمعات، وأن الصدمة قد تنجم عن التعرض لخطر الموت أو الإصابة أو العنف الجنسي أو الاختفاء القسري أو فقدان سبل العيش أو الأحلام المنكسرة. وهذا الاتساع في مفهوم الصدمة مهم جدًا لأنه يبين أن الحرب لا تصيب النفس فقط حين يسقط صاروخ، بل حين تنهار قدرة الإنسان على أن يتخيل مستقبلًا آمنًا.
ثانيًا: اضطراب الأسرة تحت ضغط الحرب: الأسرة هي الخلية الأولى التي تستقبل الصدمة. وهي في زمن الحرب تتحول إلى مؤسسة دفاع نفسي قبل أن تكون مؤسسة اجتماعية. داخل الأسرة يسمع الأطفال الأخبار، ويراقبون وجوه الكبار، ويفهمون الخطر من خلال صمت الأب وقلق الأم وحركة الناس حولهم. لذلك فإن الحرب لا تدخل إلى الطفل غالبًا عبر التحليل السياسي، بل عبر تغير نبرة البيت.
في إيران -كما في أي مجتمع يتعرض لهجمات عسكرية- تصبح الأسرة أمام أسئلة بقاء يومية: هل نغادر المدينة؟ هل نُخزِّن الطعام؟ هل نرسل الأطفال إلى الأقارب؟ هل نصدق الأخبار؟ هل نذهب إلى المستشفى إذا مرض أحدنا؟ هل المدرسة آمنة؟ هذه الأسئلة لا تبدو سياسية، لكنها تعكس انهيار الروتين الاجتماعي. فالأسرة التي كانت تخطط للتعليم والعمل والزواج والادخار تجد نفسها فجأة تفكر في النجاة.
الأم تتحمل في هذا السياق كلفة مضاعفة. فهي لا تخاف على نفسها فقط، بل تخاف على الأطفال وكبار السن والمرضى وتفاصيل الحياة اليومية. وفي كثير من الحروب، تتحول النساء إلى مديرات أزمات صامتات: يحاولن طمأنة الأطفال، وحفظ الطعام، وإخفاء الخوف، ومراقبة الأخبار، وترتيب إمكانات الهروب أو البقاء. هذه الأدوار لا تظهر في البيانات العسكرية، لكنها تشكل جوهر الصمود الاجتماعي.
أما الآباء فقد يعانون من شعور مضاعف بالعجز؛ فالمنظومة الثقافية التقليدية كثيرًا ما تضع على الأب مسؤولية الحماية. وعندما يشعر أنه لا يستطيع حماية أسرته من صاروخ أو ضربة جوية أو انهيار اقتصادي، فإن ذلك قد يولد لديه غضبًا داخليًا أو صمتًا أو انطواءً أو سلوكًا أكثر تشددًا داخل البيت. وهنا تتحول الحرب إلى ضغط على العلاقات الأسرية نفسها، لا على أمن الأسرة فقط.
********************
** تنويه: الكاتب استعان بمجموعة من برمجيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياتها، إضافة إلى محركات البحث، من بين الأهم فيها:
** خبير إعلامي
