تأملات سياسية في قصة موسى مع فرعون

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

 

قصة موسى عامرة بالعبر وتحتاج قراءتها في ثمانية من سور القرآن ثقافة سياسية واسعة. ذلك أن هذه القصة يقتبس منها المطففون والكاذبون ونلخص هذه التأملات في الملاحظات الآتية:

أولًا: لم يكن فرعون إلها إنما كان يدعى الألوهية السياسية بدليل قوله تعالى في أول تكليف لموسى اذهب لفرعون إنه طغى وقل له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى. لكن المصريين عبدوا فرعون عبادة حقيقة لأنه كان يتمتع بمواصفات الإله في ذلك الزمن ولو تمتع بها حاكم الآن لعبده الناس أو لتقربوا منه وبه إلى الله.

ثانيًا: إن فرعون الذي كان يدعي الألوهية السياسية كان بأوصاف الزمن الحالي ديكتاتورًا، وهو عادة لا يجب أن ينصرف الناس عنه؛ بل أن يتعلقوا به، ولو بصورة مزيفة. تعلق العابد بالمعبود. ولم لا وقد تحكم في أرزاقهم ومصائرهم فهو الذي يهب الحياة وينزل الموت وهو الذي يمنح ويمنع فظنَّ نفسه أنه إله حقيقة واستمرأ هذه اللعبة. وهذه الحقيقة هي التي تفسر سلوك فرعون مع الشعب المصري ومع موسى ومع السحرة.

ثالثًا: أن فرعون كان على يقين من أن الشعب المصري لا يعبد أصنامًا إنما يعبده هو، ولذلك قال القرآن على لسانه: "مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي" (القصص: 38)، وأردف قائلا إنه حكيم وأنه رازقه وأن طريقته في الحكم والحياة هي المثلى، ولذلك.... خوف الشعب المصري من موسى لأمرين كان يحرص عليهما المصري القديم.

الأول هو نمط الحياة الذي أمنه فرعون وجعل مصر فوق الجميع... وكان يقسم بأكثر من عشرة أشياء يحافظ عليها وأولها مياه النيل والعطف على الضعفاء والأرامل والأيتام والفقراء.

ولم يكن فرعون يسلط إعلامه كي يضعه في أبدع صورة ويسوق صورته الزائفة إلى الشعب البريء البسيط.

والأمر الثاني هو الحرص على الأرض بدليل أن القرآن الكريم أخبرنا أن فرعون خوف الشعب المصري من موسى بالأمرين وحذرهم من الانسياق وراء دعوته قائلًا إن موسى سيخرجهم عن طريقتهم المثلى في الحياة.

ثم إن موسى في نظر فرعون جاء لكي يخرج الشعب المصري من أرضه. وهي المرة الأولى فيما نظن أن يرد هذا التحذير في غير هذا الموضوع. لكن المستبدين في عصرنا يتهمون المعارضين بأنهم جواسيس وأنهم عملاء وأعداء الوطن. ونجد أن التهم الموجهة إلى موسى هي نفس التهم الموجهة للمعارضين في الأنظمة العربية.

ولكن السؤال لما كان فرعون هو السلطة العليا ويدرك أن موسى جاء ليصرف المصريين عن حياتهم المثلى وإذا كان هذا الإدراك حقيقياً فلماذا لم يقبض عليه أو يقتله وفي آية أخرى يقول فرعون دعوني أقتل موسى فمن يمنعه عن ذلك إلا أن يكون واثقا أن موسى نبي الله وأنه لم يكن إلها حقا وإنما يدعى الألوهية السياسية ليبرر جبروته واستبعاده للشعب حتى كرر جيناته في فجر التاريخ بحيث أصبح الحاكم قد يكون صالحا ولكن متطلبات الكرسي تجعله أشبه بالفرعون وأصبح المصريون يوقرون الكرسي ولذلك فإنَّ إدخال الديمقراطية في مصر عملية ثقافية وليست سياسية تحتاج إلى إصلاح المحكوم قبل إصلاح الحاكم ويعبر عن هذه الحالة مثل شعبي بليغ يقول "يا فرعون من فرعنك؛ أي جعلك ديكتاتورا، رد الحاكم وقال: لم أجد أحدًا يردني ويسائلني".

رابعًا لماذا ساوم السحرة فرعون ولماذا كانوا أول من أسلم لرب العالمين وخرجوا علنا على سلطة الفرعون وخذلوه؟

بالنسبة للسؤال الأول، من الواضح أن السحرة كانوا طبقة وضيعة في المجتمع المصري القديم ولكنهم كانوا طوق النجاة لفرعون بعد أن اختار أن يحسم الجدل بينه وبين موسى عن طريق الصراع بالسحر فكان السحرة كالجيش، ما دام الذي يهزم صاحبه بالسحر هو المنتصر ولذلك كان السحرة من الشجاعة بحيث طلبوا من الفرعون المقابل إذا نصروه ولم يقل فرعون أنهم لا يحتاجون إلى المقابل مادام الفرعون هو الوطن وأن نصرته نصرة للوطن.

وحتى الفرعون نفسه لم يدع أنه الوطن كما هو الحال في الحكام العرب. فقال فرعون أن لهم مكافأة مُقابل نصرته والأكثر من ذلك أنهم سيكونون من المقربين أي سيقفزون بطبقتهم الوضيعة إلي حاشية الفرعون.

خامسًا: بعث موسى إلي فرعون وليس إلى الشعب المصري؛ لسببين بشريين ظاهرين والله أعلم بالأسباب الأخرى، السبب الأول أنه كان عليه أن يسمح لبنى إسرائيل بالخروج مع موسى كما جاءوا إلى مصر في عصر يوسف. والسبب الثاني أنه جاء إلى مصر لكي يقص القرآن قصة الفرعون ومهلكته غرقا وكاد يؤمن لؤمًا، لكن كان حكم الله قد نفذ الآن: "فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً" (يونس: 92). ثم أنه توفر لديه كل القرائن التي تدل على أن موسى نبي الله ولو أحصينا هذه القرائن لخرجنا عن سياقنا.

سادسًا: شاء الله أن تكون آسيا امرأة فرعون مؤمنة. والملاحظ أن القرآن استخدم لفظتي "امرأة" و"زوج"، كما في "وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ" (البقرة: 35)، أما لفظ "امرأة" فقد وصفت به امرأة لوط وسارة امرأة ابراهيم قبل إنجابها، وصفت تارة بأنها امرأة وتارة أخرى زوج. ويقول بعض المفسرين أن عدم الاتحاد في الملة أو عدم الانجاب يُبقي الزوجة "امرأة" وهذا بنص القرآن أيضًا "امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا" (التحريم: 10)، والخيانة هنا هي عدم الإيمان بدعوتهما؛ فكانتا من الهالكين.

أما مريم ابنة عمران وآسيا فكانتا على النقيض. والغريب أن امرأة فرعون لم تؤثر عليه إيمانيًا فلجأت إلى مناجاة ربها وطلبت منه أن يبنى لها عنده بيتًا في الجنة وأن يُنجّيها من فرعون وعمله.

سابعًا: من الواضح أن السيدة آسيا امرأة فرعون لم يؤثر إيمانها على فرعون كما قلنا. في المقابل عندما أشار القرآن الكريم إلى امرأة إبراهيم سارة، واضح أنها تأثرت بمذهبه بدليل أن الملائكة- ضيف إبراهيم- وجدوها تُصلِّي؛ فبشروها بإسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب، لكن لهول المفاجأة صكت وجهها، وقالت مستغربة "أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا" (هود: 72)، فردَّت الملائكة "قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ" (هود: 73)، وامرأة إبراهيم سُمِّيت "امرأة" لأنها لم تكن قد أنجبت، فلما أنجبت تحولت إلى زوجة؛ فاختلاف الديانة وعدم الانجاب يُبقيان المرأة تحت وصف "امرأة فلان".

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z